وعندما نزلت مسألة النهي عن الخمر، والميسر، ذهب أناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوه عن مصير زملائهم وإخوتهم في الإيمان الذين ماتوا أو استشهدوا قبل أن ينزل تحريم الخمر والميسر. ومجرد السؤال هو دليل اليقظة الإيمانية، فالإنسان لا يكون مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. هنا أنزل الحق سبحانه وتعالى القول الكريم :
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين( ٩٣ ) .
لقد أنزل الحق هذه الآية ليطمئن المؤمنين السائلين عن الحكم في إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا وكانوا يشربون الخمر قبل نزول الحكم بتحريمها. ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا و ( طعموا ) لا تخص الطعام فقط ولكن تشمل وتضم الشراب أيضا، فالحق يقول :
إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ( من الآية ٢٤٩ سورة البقرة )
وعلى ذلك فالماء طعام، بمعنى أن طعمه يكون في الفم. وهكذا عرف المسلمون السائلون عن إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا أن إسلامهم كان مقصورا على الأحكام التي نزلت في أثناء حياتهم، فقد نفذوا المطلوب منهم بعدم عبادة الأصنام. وقد يكون منهم من مات قبل أن تفرض الصلاة، أو مات قبل أن تنزل أحكام الزكاة أو الصوم، ولذلك لم يفعلوها. وعلى ذلك يكون عملهم الصالح هو تنفيذ التعاليم التي نزلت إليهم. لقد اتقوا الله فنفذوا مطلوب الإيمان على قدر ما طلب منهم الحق، آمنوا بالإله المكلف وجعلوا بينهم وبين الله وقاية بأن نفذوه مطلوبه سبحانه أمرا ونهيا.
والإيمان له قمة هي أن يؤمن الإنسان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبعد ذلك بالأحكام التي تنزل من السماء. واختلف العلماء فيما بينهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن العلماء من قال : إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. ومن العلماء من قال : إن الإيمان يزيد وينقص. والذين قالوا بالإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما نظروا إلى الإيمان بالقمة العقدية وهي الإيمان بالله. والذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص إنما نظروا إلى الإيمان بالأحكام التي ينزلها الله، وأخذوا ذلك من قوله الحق :
وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون( ١٢٤ ) ( سورة التوبة ).
فكل آية تنزل بأحكام جديدة فهي تزيد الإيمان. فعندما نزل الحكم بالزكاة آمن به المسلمون وطبقوه. ومنه من لم يكن يملك المال فلم يطبق الحكم على الرغم من أنه آمن به.
فالمسلم يؤمن بالحكم، وإن كان مستطيعا فهو يفعله، وإن كان غير مستطيع فهو لا يفعله. ولهذا كانوا يستبشرون بالأحكام التي تنزل بها الآيات. وعلى ذلك يكون خلاف العلماء خلافا على جهة منفكة، ونلحظ أن الحق يقول
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( ٩٣ ) ( سورة المائدة ).
إذن، فهنا ثلاث مراحل : هناك من أدرك حكما فاتقى الله وآمن وعمل صالحا، وبعد ذلك انتقل وأفضى إلى ربه فلا جناح عليه، وهناك من عاش ليعاصر أحكاما أخرى فآمن بها وعمل بها، وهناك من عاش ليعاصر أحكاما قد زادت فعمل بها أيضا. والإيمان الأول ارتبط بالعمل الصالح، وكذلك الإيمان الثاني الذي جاء في الآية. ثم يأتي الإيمان الثالث مرتبطا بالإحسان.
والإحسان كما نعلم له وجهان : الأول أن يعبد المؤمن الله كأنه يراه، وكلما جاء تكليف، ويحسن المؤمن في أدائه، كأنه يرى الله، وإن لم يكن يراه فإنه يحس أنه سبحانه يراه. وإذا ما استوعب المسلم كل أحكام الله التي استوعبت بدورها كل أقضية الحياة، فهو يحسن أداء هذه الأحكام. والوجه الثاني للإحسان أن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف فوق ما فرض الله، وهي النوافل. وبذلك لا يكتفي المؤمن بتصديق الأحكام التي نزلت، بل يزيد من جنسها. والحق يقول :
إن المتقين في جنات وعيون ( ١٥ ) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ( ١٦ ) ( سورة الذاريات )وجاء الحق بالتعليل وهو : إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ( من الآية ١٦ سورة الذاريات ).
ووجه إحسانهم أن الواحد منهم لا يقف عند ما كلفه الله به، بل يزيد على ما كلفه الله من جنس ما كلفه سبحانه، فالحق قد فرض على المسلمين خمسة فروض، والمحسن هو من يزيد ويتقرب إلى الله بالنوافل. وفرض سبحانه على المسلم صوم رمضان، والمحسن هو من يؤدي صيام رمضان بتمامه ويزيد بصوم أيام أخرى من العام. وفرض سبحانه على المسلم زكاة مال بقدر اثنين ونصف في المائة وهو ربع العشر، والمحسن قد يزيد الزكاة إلى أكثر من ذلك. وفرض سبحانه على المسلم حج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمحسن هو الذي يزيد مرات الحج.
إذن، فالمحسن هو من عشق التكليف من الله، وعرف منزلة القرب من الله، فوجد أن الله قد كلفه دون ما يستحق – سبحانه – منا فزاد من العمل الذي يزيده قربا من الله. ويضيف الحق في وصف المحسنين : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( ١٧ ) . ( سورة الذاريات )
ولم يكلفنا سبحانه بأن لا نهجع إلا قليلا من الليل. كلفنا فقط بأن نصلي العشاء، وبعد ذلك قد ننام لنصحوا لنصلي الصبح، أما المحسن الذي عرف حلاوة الخلوة مع الله فهو لا يهجع إلا قليلا من الليل. ويضيف الحق سبحانه في وصف المحسنين : وبالأسحار هم يستغفرون ( ١٧ ) ( سورة الذاريات )
ولم يكلف الله المسلم بالاستغفار في السحر، لكن المحسن يفعل ذلك ويضيف الحق سبحانه :
وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ( ١٩ ) . ( الذاريات )
ولم يقل سبحانه : إنه حق معلوم ؛ لأن الحق المعلوم هو الزكاة. وهذه المراحل الثلاث هي التي تدخل المؤمن في مرتبة الإحسان. ولذلك نجد الحق في آخر مرحلة في الآية التي نحن بصددها يتحدث عن الإحسان : ثم اتقوا وأحسنوا أي أن يزيد الإنسان المؤمن من جنس ما فرض الله. ووقت أن كان التكليف في دور الاستكمال فكل حكم يأتي كان يستقبله المؤمن بإيمان وعمل. أما الذين أدركوا كل التكاليف خلال الثلاثة والعشرين عاما – المدة التي مكثها وعاشها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسولا ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى – فقد استوت عندهم التكاليف، وإذا ما أرادوا الإحسان فلا بد لهم من الزيادة من جنس التكليف.
تفسير الشعراوي
الشعراوي