ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( ٩٣ ) ورد في عدة روايات تقدم بعضها أن بعض الصحابة استشكلوا عند نزول هذا التشديد في الخمر والميسر حال من مات من المؤمنين الذين كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، ولا سيما من حضر منهم غزوتي بدر وأحد، وكان أمر الخمر عندهم أهم، ومنهم من كلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وفي رواية أنهم سألوا عمن ماتوا وعن الغائبين الذين لم تبلغهم آية القطع بالتحريم. وأن هذه الآية نزلت جوابا لهم، وقيل إن الآية نزلت فيمن كانوا يشددون على أنفسهم في الطيبات من الطعام والشراب، ختما للسياق بما يتعلق بحال من بدئ بهم، والروايات المأثورة على الأول.
الطعام ما يؤكل، والطعم ( بالفتح ) ما يدرك بذوق الفم من حلاوة ومرارة وغيرهما. يقال : طعم ( كعلم وغنم ) فلان بمعنى أكل الطعام- وطعم الشيء يطعمه ذاق طعمه أو ذاقه فوجد طعمه منه، استعمل في ذوق طعم الشيء من طعام وشراب بأخذ قليل منه بمقدم الفم. ومن الأول قوله تعالى : فإذا طعمتم فانتشروا [ الأحزاب : ٥٣ ] أي أكلتم، ومن الثاني فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمنه فإنه مني [ البقرة : ٢٤٩ ] أي لم يدق طعم مائه. قال الجوهري : الطعم بالفتح ما يؤديه الذوق، يقال طعمه مر أو حلو وقال : طعم يطعم طعما ( بالضم ) فهو طاعم إذا أكل أو ذاق – مثل غنم يغنم غنما فهو غانم – فالطعم بالضم مصدر. وأنشد ابن الأعرابي :
| فأما بنو عامر بالنسار | غداة لقولنا فكانوا نعاما (١) |
| نعاما يخطمه صعر الخدو | دلا تطعم الماء إلا صياما |
| فإن شئت حرمت النساء سواكم | وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا(٢) |
قال الآلوسي في تفسيره : وأما استعماله ( أي طعم الماء ) بمعنى شربه واتخذ طعاما فقبيح إلا أن يقتضيه المقام، كما في حديث «زمزم طعام طعم وشفاء سقم » فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه. ولا يخدش هذا ما حكي أن خالدا القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعد : أطعموني ماء. فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به، وحملوه على شدة جزعه وقيل فيه :
| بل المنابر من خوف ومن وهل | واستطعم الماء لما جد في الهرب |
| وألحن الناس كل الناس قاطبة | وكان يولع بالتشديق في الخطب |
أقول أما الحديث فرواه ابن أبي شيبة والبزار بسند صحيح وهو على تشبيه مائها بالغذاء فليس مما نحن فيه. وأما كلام خالد فهو لحن إلا أن يريد به أديقوني طعم الماء – مبالغة في طلب القليل منه. ولا يقع مثله في كلام الفصحاء إلا بهذا المعنى، فإذا لا يمكن أن يكون طعم في القرآن بمعنى الشرب مطلقا، ولا يجوز أن يفيد هذا المعنى إلا بالتبع لمعنى الأكل تغليبا له، فيجعل »طعموا » هنا بمعنى أكلوا الميسر وشربوا الخمر. كتغليب الأكل في كل استعمال في مثل النهي عن أكل أموال اليتامى وعن أكل أموال الناس بالباطل. ولم أر أحدا هدي إلى هذا الإيضاح بهذا التدقيق.
والجناح ما فيه مشقة أو مؤاخذة. أنشد ابن الأعرابي :
| ولاقيت من جمل وأسباب حبها | جناح الذي لقيت من تربها قبل(٣) |
| أعلينا جناح كندة أن يغ | نم غازيهم ومنا الجزاء(٤) |
ومعنى الآية على رأي الجمهور «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات » من الأحياء والميتين، والشاهدين والغائبين «جناج » إثم ولا مؤاخذة «فيما طعموا » أكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمهما – ولا في غير ذلك مما لم يكن محرما ثم حرم «إذا ما اتقوا » أي إذا هم اتقوا في ذلك العهد ما كان محرما عليهم – ومنه الإسراف في الأكل والشرب من المباح «وآمنوا » بما كان قد نزله الله تعالى «وعملوا الصالحات » التي كانت قد شرعت كالصلاة والصيام والجهاد «ثم اتقوا » ما حرمه الله تعالى بعد ذلك عند العلم به «وآمنوا » بما نزل فيه وفي غيره – كما قال وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا فهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [ التوبة : ١٢٤، ١٢٥ ] وكما قال : ويزداد الذين آمنوا إيمانا [ المدثر : ٣١ ] وعملوا الصالحات التي هي من لوازم الإيمان، «ثم اتقوا » أي ارتقوا عن ذلك فاتقوا الشبهات تورعا وابتعادا من الحرام، «وأحسنوا » أعمالهم الصالحات بأن أتوا بها على وجه الكمال، وتمموا نقصها بنوافل الطاعات والله يحب المحسنين ( ٩٣ ) فلا يبقى في قلوبهم أثرا من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الإيقاع في العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما صقال القلوب وزيتها الذي يمد نور الإيمان.
وطالما استشكل المفسرون اشتراط ما اشترطته الآية لنفي الجناح من التقوى المثلثة والإيمان المثنى والإحسان الموحد، وطالما ضربوا في بيداء التأويل واستنباط الآراء، وطالما رد بعضهم ما قاله الآخرون في ذلك، وسبب ذلك اتفاقهم على أن الله تعالى لا يؤاخذ يوم القيامة أحدا بعمله قبل تحريمه كما قال تعالى بعد ذكر محرمات النكاح ( إلا ما قد سلف ) فقيل إن ما ذكر ليس بشرط لرفع الجناح بل لبيان حال من نزلت فيهم الآية. وأما تكرار التقوى فقيل إنه لمجرد التأكيد، أو للأزمنة الثلاثة، أو لاختلاف ما يتقى من الكفر والكبائر والصغائر، أو من مطلق ومقيد، أو بعضها للثبات والدوام.
وغفل هؤلاء عن معنى الشبهة التي وقعت لبعض الصحابة ونزلت الآية جوابا عنها. وبيانها من وجهين :
أحدهما : أن الله تعالى حرم الخمر والميسر في الآية الأولى من هذه الآيات وبين في الثانية علة التحريم من وجهين، وهذه العلة لازمة لهما، فإذا لم تكن مطردة في العداوة والبغضاء، فهي مطردة في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وناهيك بما ينقص من دين من صد عنهما. وإنما كمال الدين ومناط الجزاء في الآخرة ما يكون من تأثير الإيمان والعمل الصالح في تزكية النفس، وإنارة القلب.
ثانيهما : إن الله تعالى قد عرض بتحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة بما بينه في سورة البقرة والنساء – واللبيب تكفيه الإشارة – فكان من لم يفطن لذلك مقصرا في اجتهاده، وربما كان ذلك لإيثار الهوى أو الشهوة.
هذا وجه الشبهة، وتخليص الجواب عنها أن من صح إيمانه فصلح عمله وعمل في كل وقت بالنصوص القطعية المنزلة، وبحسب ما أداه إليه اجتهاده في الظنية، واستقام على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان – فلا يحول دون تزكية ذلك لنفسه وصقله لقلبه، ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرما عليه بحسب اعتقاده، وإن كان في ذلك من الإثم ما حرم بعد لأجله.
ذلك بأن الله تعالى ما حرم شيئا إلا لضرره في الجسم أو العقل أو الدين أو المال أو العرض، والضرر يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال وقد يتخلف أحيانا، إذ يكفي في التحريم أن يكون ضارا في الغالب، فمن عمل عملا من شأنه الضرر في الجسم فربما ينجو من ضرره بقوة مزاجه إذا هو لم يسرف فيه، ومن عمل عملا من شأنه نقص الدين – وهو غير محرم عليه أو غير عالم بتحريمه - فربما ينجو من سوء تأثيره الذاتي بقوة إيمانه ويقينه وكثرة أعماله الصالحة، بحيث يكون ذلك الضرر كنقطة من القذر وقعت في البحر أو النهر، ولكن قوة الإيمان ورسوخ الدين بالعمل الصالح ينافي الإقدام على ارتكاب المحرم، إلا ما يكون من اللمم والهفوات التي لا يصر المؤمن عليها.
فالنجاح العظيم والخطر الكبير من ارتكاب المعصية بعد العلم بتحريمها ليس فيما عساه يصيب مرتكبها من ضررها الذاتي التي حرمت لأجله فقط، لأن هذا قد يتخلف أو يكون ضعيفا أو مغلوبا، بل الجناح والخطر الديني في الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وترجيح هوى النفس على مقتضى الإيمان والاعتقاد. وهذا شيء قد حفظ الله منه من كانوا يشربون الخمر من أهل بدر وأحد. بل حفظهم الله تعالى من ضرر الخمر الاجتماعي الدنيوي أيضا، لأنهم لم يسرفوا فيها ولا سيما بعد نزول آية سورة النساء التي لم تبق لهم إلا وقتا ضيقا لشربها. والآية تدل على ذلك. ويؤيده أن الله تعالى قد ألف بين قلوبهم بنعمته إخوانا. بل كان ذلك شأن الصحابة عامة، كان يكاد الشقاق يقع بينهم كما مر في أسباب نزول الآيات، ولكن لا يلبث أن يغلبه الإيمان، فيكونوا مصداقا لقوله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراب : ٢٠١ ] فالمعصية لا تفسد الروح إلا إذا كان فاعلها غير مبال بحرمة الشرع، ولا يكون تأثيرها الذاتي قويا إلا بالإسراف فيها والإصرار عليها.
وقد سألني بعض الباحثين في علم الأخلاق وفلسفة الاجتماع من المصريين عن السبب في سوء تأثير الزنا في إفساد أخلاق فساق المصريين وإذلال أنفسهم وإضعاف بأسهم وعدم تأثيره في اليابانيين مثل هذا التأثير ؟ فأجبته على الفور : إن اليابانيين لا يدينون الله بحرمة الزنا كالمصريين، فمعظم ضرره فيهم بدني وأقله اجتماعي، ولكن ليس له ضرر روحي فيهم. وأما المصريون فمعظم ضرره فيهم روحي لأنهم يقدمون على شيء يعتقدون دينا وعرفا بقبحه وفحشه، فهم بذلك يوطنون أنفسهم على دنية الفحش والاتصاف بالقبح، فلذلك كان من أسباب المهانة والفساد فيهم. فأعجب بالجواب وأذعن له.
شبهة لعشاق الخمر ودحضها
قال الإمام الرازي : زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة في العداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة – بين في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق – قالوا :- ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم، لأنه لو كان المراد ذلك لقال :«ما كان جناح على الذين طعموا » كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة وما كان الله ليضيع إيمانكم [ البقرة : ١٤٣ ] ولكنه لم يقل ذلك بل قال : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح – إلى قوله – إذا ما اتقوا وآمنوا [ المائدة : ٩٣ ] ولا شك أن «إذا » للمستقبل لا للماضي. واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة. وقولهم أن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي – فجوابه ما روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار ؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها ؟ فأنزل الله هذه الآيات [ الصواب الآية ] وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا ا
وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٧٢٢، ولسان العرب (طعم)، والبيت الثاني بلا نسبة في لسان العرب (خطم) وتاج العروس (خطم)، (صيم)..
٢ البيت في الطويل، وهو للعرجي في ديوانه ص ١٠٩، ولسان العرب (نقخ)، (برد)، ولعمر بن أبي ربيعة في ذيوانه ص ٣١٥، وبلا نسبة في
مقاييس اللغة ١/٢٤٣، ويروى البيت للحارث بن خالد المخزومي وهو في ديوانه ص ١١٧..
٣ البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في لسان العرب (جنح)، وتاج العروس (جنح)..
٤ البيت من الخفيف وهو للحارث بن حلزة في ديوانه ص ٣٧، ولسان العرب (جنح)، وتهذيب اللغة ٤/١٥٧، والأغاني ١١/٤٠، والحيوان ١/١٨،
وشرح القصائد السبع ص٤٧٨، وشرح القصائد العشر ص٣٩٤، وشرح المعلقات السبع ص٢٣٣، وشرح المعلقات العشر ص١٢٤، والمعاني الكبير ٢/١٠١١..
لم يؤكد تحريم شيء في القرآن مثل هذا التأكيد ولا قريبا منه، وحكمته شدة افتتان الناس بشرب الخمر وكذا الميسر. وتأولهم كل ما يمكن تطرق الاحتمال إليه من أحكام الأديان التي تخالف أهواءهم، كما أولت اليهود أحكام التوراة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره. وكما استحل بعض فساق المسلمين شرب بعض الخمور بتسميتها بغير اسمها، إذ قالوا : هذا نبيد أو شراب لا يسكر إلا الكثير منه وقد أحل ما دون القدر المسكر منه فلان وفلان- يقولون ذلك فيما هو خمر، لا حظ لهم من شربه إلا السكر.
بل تجرأ بعض غلاة الفساق على القول بأن هذه الآيات لا تدل على تحريم الخمر لأن الله قال :«فاجتنبوه» ولم يقل حرمته فاتركوه، وقال :«فهل أنتم منتهون» ولم يقل فانتهوا عنه، وقال بعضهم سألنا هل أنتم منتهون ؟ فقلنا : لا، ثم سكت وسكتنا. ويصدق على هؤلاء قوله تعالى : اتخذوا دينهم هزوا ولعبا [ المائدة : ٥٧ ] ويمكن أن يقال إن هذا اللغو قلما يصدر عمن كان صحيح الإيمان-والعياذ بالله تعالى.
أما المؤمنون فقد قالوا : انتهينا ربنا. وقال بعضهم : انتهينا انتهينا. أكدوا الاستجابة والطاعة كما أكد عليهم التحريم وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية، حتى شق عليهم تحريمها فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية. وكانوا قد اجتهدوا في آية البقرة لأن الدلالة على التحريم فيها ظنية غير قطعية كما بيناه غير مرة، فلما جاء الحق اليقين والتحريم الجازم، انتهوا وأهرقوا جميع ما كان عندهم من الخمور في الشوارع والأزقة، حتى ظل أثرها وريحها زمنا طويلا، وقد قدح بعض أذكيائهم زناد الفكر عسى أن يهتدوا إلى شيء يجدون فيه بعض الرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا إلا أن من قد مات من أهل بدر وأحد كسيد الشهداء حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره ماتوا وهم دائبون على شربها، فلم تغن عنهم هذه الشبهة شيئا. لأن الله لا يكلف الناس العمل بأحكام الشريعة قبل نزولها. وهناك بعض ما ورد في ذلك زائد على ما أوردنا من قبل.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال : قام رسول الله فقال :«يا أهل المدينة إن الله يعرض عن الخمر تعريضا، لا أدري لعله سينزل فيها أمر»- أي قاطع- ثم قام فقال :«يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إلي تحريم الخمر، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها».
وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«يا أيها الناس إن الله قد عرض بالخمر فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به» فلم نلبث إلا يسيرا حتى قال :«إن الله قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع» قال فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«إن ربكم يقرب في تحريم الخمر» ثم نزلت آية المائدة فحرمت الخمر عند ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل من تحريم الخمر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ البقرة : ٢١٩ ] الآية. فقال بعض الناس نشربها لمنافعها وقال آخرون : لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [ النساء : ٤٣ ] الآية فقال بعض الناس نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر فنهاهم فانتهوا. وأخرج أيضا عن قتادة في تفسير آية النساء أنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت هذه الآية «إن الله قد تقرب في تحريم الخمر» ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب(٧)، وعلم أنها تسفه الأحلام وتجهد الأموال وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة.
وروى أحمد عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات. ثم ذكر نزول الآيات الثلاث وما كان من شأن الناس عند كل واحدة منهن، وقال في آية النساء : ثم أنزل الله آية أغلظ منها وآي من آية البقرة، وقال مثل ذلك في آية المائدة.
فهذه الأخبار والآثار وغيرها مما تقدم في التصريح بالقطع بتحريم الخمر تدل دلالة قاطعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كافة فهموا من آية المائدة أن الله تعالى حرم الخمر تحريما باتا لا هوادة فيه، وأن الخمر عندهم كل شراب من شأنه أن يسكر شاربه، وقد صرحوا فيها بلفظ التحريم، وأنه كان تعريضا، فجعلته آية المائدة تصريحا، أو أن آيتي البقرة والنساء كانتا مقدمة لتحريمها مفيدتين له إفادة ظنية كما قلنا من قبل. وأن جميع المؤمنين أهرقوا ما كان عندهم من الخمور عند نزول الآية، وكان كلها أو أكثرها من التمر والبسر الذي يكثر في المدينة، وأنهم لم يجدوا لهم مخرجا من ذلك بتأويل ولا رخصة.
نعم إنهم كانوا يسمون بعض الأنبذة بأسماء خاصة وقد سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ما حكمها إذا صار يسكر كثيرا أو مطلقا. قال أبو موسى الأشعري : قلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمين – البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد – والمزر وهو من الذرة والشعير، ينبذ حتى يشتد. قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم بخواتمه فقال :«كل مسكر حرام» رواه أحمد والشيخان. وفي حديث علي كرم الله وجهه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الجعة(٨). رواه داود والنسائي وغيرهما. والجعة بكسر ففتح نبيذ الشعير. وتسمى بالإفرنجية «بيرا».
والأصل في النبيذ أن ينقع الشيء في الماء حتى ينضح فيشرب بعد يوم أو يومين أو ثلاثة ولم يقصد به أن يترك ليختمر ويصير مسكرا كما تقدم، ونزيد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النبذ في الأواني التي يسرع إليها الاختمار لعدم تأثير الهواء فيها كالحنتم أي جرار الفخار المطلية، والنقير أي جذوع النخل المنقورة، والمزفت وهو المقير أي المطلي بالقار وهو الزفت، والدباء وهو القرع الكبير. ثم بين أن الظروف لا تحل ولا تحرم وأذن بالنبذ في كل وعاء مع تحريم كل مسكر(٩). رواه مسلم وأصحاب السنن.
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يؤمر به فيسقى الخادم أو يهراق(١٠). رواه أحمد ومسلم. أي يصير بعد ثلاثة أيام مظنة الإسكار، فهذه نهاية المدة التي يحل فيها النبيذ غالبا. وفي آخرها كان يحتاط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يشربه بل يسقيه الخادم أو يريقه لئلا يختمر ويشتد فيصير خمرا والعبرة بالإسكار وعدمه.
فائدة تتبعها قاعدة : علم من الروايات التي أوردناها آنفا أن بعض الصحابة فهم من آيتي البقرة والنساء تحريم الخمر فتركها، ولكن عشاقها وجدوا منهما مخرجا بالاجتهاد. وكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذر المجتهدين في اجتهادهم وإن كان بعضهم مخطئا فيه، وقد يجيزه له إذا كان قاصرا عليه : أجنب رجل فأخر الصلاة إذ لم يجد الماء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :«أصبت» وأجنب آخر فتيمم وصلى إذ لم يجد الماء فذكره له كالأول، فقال له ما قال للأول «أصبت» رواه النسائي. أجاز عمل عمرو بن العاص إذ تيمم للجنابة مع وجود الماء خوفا من البرد وصلى إماما فسأله عن ذلك فاحتج بقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ البقرة : ١٩٥ ] رواه أحمد والبخاري تعليقا وأبو داود والدارقطني، ولكنه قال لمن ترك الصلاة مع الجماعة وسأله عن ذلك فاعتذر بالجنابة وفقد الماء «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» رواه البخاري(١١).
ويؤخذ من هذه الأحاديث ومن تلك أن التحريم الذي يكلفه جميع الناس هو ما كان نصا صريحا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلف الناس إراقة ما كان عندهم من الخمر إلا عندما نزلت آية المائدة الصريحة بذلك، مع كونه فهم من آيتي البقرة والنساء تحريم الخمر بالتعريض، والمراد من التعريض عين المراد من التصريح إلا أن التعريض حجة على من فهمه خاصة والتصريح حجة المكلفين كافة. ومن هنا تعرف سبب ما كان من تساهل السلف في المسائل الخلافية وعدم تضليل أحد منهم لمخالفه، وتعلم أيضا أن ما قال العلماء بتحريمه اجتهادا منهم لا يعد شرعا يعامل الناس به، وإنما يلتزمه من ظهر له صحة دليلهم من قياس أو استنباط من آية أو حديث دلالتهما عليه غير صريحة. وأن في تعريض كلام الله ورسوله حكما، وسيأتي لهذا البحث تتمة في تفسير لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [ المائدة : ١٠١ ].
شبهة أخرى على تحريم قليل المسكر وعلة تحريمه
ويعلم من هذه الأحاديث فساد قول من عساه يقول : إن القليل من الخمر لا تتحقق فيه علة التحريم والقياس أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ومتى فقدت العلة، كان إثبات الحكم منافيا للحكمة. ووجه فساده أنه لا قياس مع النص، وأن قاعدة سد ذرائع الفساد الثابتة في الشريعة تقتضي منع قليل الخمر والميسر لأنه ذريعة لكثيره، ولعله لا يوجد في الدنيا ما يشابههما في ذلك.
بينا في تفسير آية البقرة التعليل العلمي الطبعي لكون قليل الخمر يدعو إلى كثيرها – وكذلك الميسر – وكون متعاطيهما قلما يقدر على تركهما ( ج ٢ ) ولهذا يقل أن يتوب مدمن الخمر، لأن ما يبعثه على التوبة من وازع الدين أو خوف الضرر، يعارضه تأثير سم الخمر – الذي يسمى الغول ( أو الكحول ) – في العصب الداعي بطبعه إلى معاودة الشرب، وهو ألم يسكن بالشرب موقتا ثم يعود كما كان أو أشد. ومتى تعارضت الاعتقادات والوجدانات المؤلمة أو المستلذة في النص رجحت عند عامة الناس الثانية على الأولى، وإنما يرجح الاعتقاد عند الخواص وهم أصحاب الدين القوي، والإيمان الراسخ وأصحاب الحكمة والعزيمة القوية. وهذا الألم الذي أشرنا إليه قد ذكره أهل التجربة في أشعارهم كقول أبي نواس :
وداوني بالتي كانت هي الداء(١٢)
وقول الشاعر :
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها(١٣)
وإننا نرى جميع المتعلمين على الطريقة المدنية في هذا العصر وأكثر الناس في البلاد التي تنشر فيها الجرائد والمجلات العلمية يعتقدون أن الخمر شديد الضرر في الجسم، والعقل والمال وآداب الاجتماع ولم نر هذا الاعتقاد باعثا على التوبة منها إلا للأفراد منهم، حتى أن الأطباء منهم – وهم أعلم الناس بمضارها – كثيرا ما يعاقرونها ويدمنونها، وإذا عذلوا في ذلك أجابوا بلسان الحال أو لسان المقال بما أجاب به طبيب عذله خطيب على أكله طعاما غليظا كان ينهى عن أكله إذ قال : إن العلم غير العمل فكما أنك أيها الخطيب تسرد على المنبر خطبة طويلة في تحريم الغيبة والخوض في الأعراض ثم يكون جل سمرك في سهرك اغتياب الناس، كذلك يفعل الطبيب في نهيه عن الشيء لا ينتهي عنه إذا كان يستلذه.
وقد مضت سنة الله تعالى بأن تكون قوة تأثير الدين على أشدها وأكملها في نشأته الأولى، كما يفيده قوله تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ الحديد : ١٦ ] ولهذا ترك جمهور المؤمنين الخمر في عصر التنزيل، ولكن بقي من المدمنين من لم يقو على احتمال
تفسير المنار
رشيد رضا