تفسير المفردات : تفسير المفردات :
وطعم الشيء يطعمه : ذاق طعمه، ثم استعمل في ذوق طعم الشيء من طعام وشراب، ومن الأول : فإذا طعمتم فانتشروا [ الأحزاب : ٥٣ ] أي أكلتم، ومن الثاني : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني [ البقرة : ٢٤٩ ] أي من لم يذق طعم مائه.
المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه فيما سلف عن تحريم ما أحل الله من الطيبات وأمر بأكل ما رزق الله من الحلال الطيب وكان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر، لا جرم أن بين عز اسمه أنهما غير داخلين فيما يحل. بل هما مما يحرم، وقد روى ابن جرير وابن مردويه في سبب نزول الآيات أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال :" في نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر وذلك قبل تحريمها، فتفاخروا فقالت الأنصار : الأنصار خير، وقالت قريش : قريش خير، فأهوى رجل بلحى جزور ـ فك رأس جزور ـ فضرب على أنفي ففزره. قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت ".
وروى عبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول : صنع بي هذا أخي فلان والله لو كان رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ـ إلى قوله ـ فهل أنتم منتهون فقال أناس من المتكلفين : هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفي بطن فلان قتل يوم أحد، فأنزل الله : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية.
وفي مسند أحمد ومسند أبي داود والترمذي : أن عمر كان يدعوا الله تعالى : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فلما نزلت آية البقرة قرأها عليه النبي صلى الله عليه وسلم فظل على دعائه، وكذلك لما نزلت آية النساء، فلما نزلت آية المائدة دعي فقرئت عليه فلما بلغ قول الله تعالى : فهل أنتم منتهون قال : انتهينا انتهينا.
والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج : أن الناس كانوا مغرمين بحبها كلفين بها فلو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، ومن ثم جاء تحريمها أولا في سورة البقرة على وجه فيه مجال للاجتهاد فيتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، ثم ذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة، إذ نهى القرب من الصلاة في حال السكر فلم يبق لمن يصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل، والصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له فلا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهر، ثم تركهم الله على هذه الحال زمنا قوي فيه الدين وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثمها وضررها، فحرمها تحريما باتا لا هوادة فيه.
روى ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت في البقرة يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس [ البقرة : ٢١٩ ] شربها قوم لقوله : ومنافع للناس وتركها قوم لقوله إثم كبير منهم عثمان بن مظعون حتى نزلت الآية في النساء : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [ النساء : ٤٣ ] فتركها قوم وشربها قوم، يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل، حتى نزلت الآية التي في المائدة إنما الخمر والميسر الآية قال عمر : أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام ؟ بعدا لك وسحقا. فتركها الناس ووقع في صدور أناس منها وقالوا ما حرم علينا شيء أشد من الخمر، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول إن في نفسي شيئا فيقول صاحبه لعلك تذكر الخمر، فيقول نعم، فيقول إن في نفسي مثل ما في نفسك حتى ذكر قوم واجتمعوا فيه فقالوا : كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد ( حاضر ) وخافوا أن ينزل فيهم ( أي قرآن ) فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة فقالوا : أرأيت حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة ؟ قال " بلى " قالوا أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر ؟ فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه ؟
فقال :( قد سمع الله ما قلتم، فإن شاء أجابكم ) فأنزل الله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون فقالوا انتهينا. ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، إن الخمر التي تشربونها، والميسر الذي تتياسرونه، والأنصاب التي تذبحون عندها، والأزلام التي تستقسمون بها ـ إثم سخطه الله وكرهه لكم، وهو من عمل الشيطان وتحسينه لكم لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم.
فاجتنبوه لعلكم تفلحون أي فاتركوا هذا الرجس ولا تعلموه وكونوا في جانب غير الجانب الذي هو فيه، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا بما فرض عليكم من تزكية أنفسكم وسلامة أبدانكم والتواد فيما بعد.
الإيضاح : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين أي ليس على الذين آمنوا وعملوا صالح الأعمال من الأحياء والأموات إثم ومؤاخذة فيما أكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمهما وتحريم غيرهما مما لم يكن محرما ثم حرم، إذا اتقوا الله وآمنوا بما كان قد نزل من الأحكام، وعملوا الصالحات التي كانت قد شرعت كالصلاة والصيام وغيرهما، ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك عند العلم به، وآمنوا بما نزل فيه وفي غيره، ثم استمروا على التقوى وأحسنوا صالح أعمالهم فأتوا بها على وجه الكمال وتمموا نقص فرائضها بنوافل الطاعات، والله يحب المحسنين فلا يبقى في قلوبهم أثر من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الإيقاع في العداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
والخلاصة : إن من صح إيمانه وصلح عمله وعمل في كل حين بنصوص الدين وما أداه إليه اجتهاده واستمر على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان، فلا يحول ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرما عليه بحسب اعتقاده دون تزكية نفسه وتطهير قلبه.
روي أنه لما نزل تحريم الخمر قال بعض الصحابة : فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت الآية.
تتمة : اختلف العلماء في التداوي بالخمر والنجاسات والسموم، وأصح الآراء في ذلك أنه يجوز لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للعرنيين بالتداوي بأبوال الإبل، بشرط الاضطرار الذي يبيح المحرم من طعام وشراب بدليل قوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه [ الأنعام : ١١٩ ] كمن غص بلقمه فكاد يختنق فلم يجد ما يسيغها به سوى الخمر، وكمن أصابته نوبة ألم في القلب كادت تقضي عليه وقد أخبره الطبيب بأن لا سبيل لدفع الخطر سوى شرب مقدار من الخمر من النوع المعروف : باسم كونياك، فقد يرى الطبيب أنه يتعين في بعض الأحيان لعلاج ما يعرض من آلام القلب لدرء الخطر كما ثبت بالتجربة.
أما التداوي بالخمر لمن يظن نفعها ولو بإخبار الطبيب كتقوية المعدة أو الدم أو نحو ذلك مما تسمعه من كثير من الناس فذلك منهي عنه للحديث :" إنه ليس بدواء ولكنه داء " رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وكان سببه أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر وكان يصنعها فنهاه عنها فقال : إنما أصنعها للدواء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وقوله :" ولكنه داء " هذا هو رأي الأطباء، إن المادة المسكرة من الخمر سم تتوالد منها أمراض كثيرة يموت بها في كل عام لا يحصى من الناس.
والذين يشربون الخمر ولو بقصد التداوي يؤثر سمها في أعصابهم بكثرة التعاطي فتصير مطلوبة عندهم لذاتها فيضرهم سمها، فعلى المسلم الصادق الإيمان ألا يغتر برأي بعض الأطباء الذين يصفونها للتداوي لمثل الأمراض التي يصفونها لها عادة.
وقد دلت التجارب على أن الذين يبتلون بشربها لا يقدمون على ذلك إلا بإغراء المعاشرين من الأهل والأصحاب، على استبشاعهم لها واعتقادهم ضررها ومخالفتهم أوامر دينهم، ولكن الذي يسهل عليهم ذلك ظنهم أن الضرر المتيقن إنما يكون بالإسراف والانهماك في الشراب، وأن القليل منها إن لم ينفع فلا يضر، فلا ينبغي تركه مع ما فيه من لذة النشوة والذهول عن هموم الدنيا وآلامها.
إلى ما ذلك من مجاملة الإخوان، لكنهم مخدوعون، إذ هم لو سألوا من سبقهم إلى هذه البلوى وأسرف في السكر حتى فسدت صحته ومروءته وضاعت ثروته، هل كنت حين بدأت تنوي الإسراف والإدمان ؟ لأجابك بأنه ما كان يقصد إلا النزر القليل في فترات متطاولة من الزمن، وما كان يعلم أن القليل يجر إلى الكثير الذي يصيبه بالداء الدوي ولا يجد إلى الخلاص منه سبيلا.
وقد يعرض لبعض من يؤمن بحرمة الخمر شبهات فيقول إن الخمر المتخذة من العنب هي المحرمة لذاتها وأن ما عداها لا يحرم منه إلا المقدار المسكر فعلا، لكنهم واهمون فيما فهموا، إذ جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم :" كل مسكر خمر وكل خمر حرام ".
وآخر تعلة لهم الغرور بكرم الله وعفوه، أو اعتمادهم على بعض الأعمال الصالحة ولاسيما ما يسمونه بالمكفرات أو على الشفاعات.
وهذا الجهل والغرور يصبح عقيدة في نفوسهم بما يسمعونه من كلام فساق الشعراء المدمنين كأبي نواس كقوله :
| تكثر ما استطعت من المعاصي | فإنك واجد ربا غفورا |
| ورجوت عفو الله معتمدا على | خير الأنام محمد المبعوث |
والخلاصة : إن العقاب المشروع على شرب الخمر هو الضرب الذي يراد منه إهانة الشارب وزجره وتنفير الناس منه، وإن الضرب أربعين أو ثمانين كان اجتهادا من الخلفاء، فاختار أبو بكر الأربعين وعمر الثمانين بموافقته لاجتهاد عبد الرحمان بن عوف بتشبيهه بحد قذف المحصنات، وقد روى الدارقطني عن علي كرم الله وجهه قال : إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة.
تفسير المراغي
المراغي