ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

ثم إن الله ( جل وعلا ) لما بين غرائب وعجائب صنعه وكمال قدرته، وبين لنا هذا في آيات كثيرة إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ( الأنعام : آية ٩٥ )، وبين ( جل وعلا ) أنه الذي أنشأنا وخلقنا : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ( الأنعام : آية ٩٧ )، وبين أنه خلق أرزاقنا على ذلك الأسلوب الغريب العجيب وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ( الأنعام : آية ٩٩ )وبين انه الواحد الذي لا مثيل له ولا نظير، المتنزه عن الأولاد والصاحبات، وأنه خالق كل شيء، وانه العليم بكل شيء، أشار لنا وقال ذالكم الذي سمعتم صفاته وغرائب فعله وعجائبه هو الله خالق هذا الكون الذي يأمركم وينهاكم على لسان نبيه لا إله إلا هو ( الأنعام : آية ١٠٢ )، لا معبود يعبد بالحق إلا هو وحده، وكل معبود من دونه –الجن الذي عبدها أولئك الكفرة-هو وعابدوه في النار { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون٩٧ ( النساء. آية ٩٧ ).
ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء )النعام. آية ١٠٢ ) " جل وعلا " لأنه " جل وعلا " خالق كل شيء، وإذا نظر الإنسان في أصناف المخلوقات بهر عقله قدرة الله " جل وعلا "، فإذا نظرتم إلينا معاشر الآدميين تجدون خالق السموات والأرض أودع في الواحد منا من غرائب صنعه وعجائبه ما يبهر العقول، ويفتت الكبود.
من اظهر ذلك : أنه صبنا صبة واحدة، فجعل الأنف هنا، والعينين هنا، والفم هنا، ولم يتفق منا اثنان، لا يمكن ان يتفق اثنان، حتى لا يعرف " فرق " ( زيادة يقتضيها السياق ) بينهما، ولو جاءت الآلاف والملايين، مضروبا في الآلاف والملايين : لم يضق العالم أن يجعل لكل واحد صورة وهيئة مخالفة لصورة الآخر وهيئته، حتى إن الأصوات، وآثار الأقدام، وبصمات الأصابع في الأوراق، كل هذا لم يشتبه منه شيء. وهذا من غرائب صنع هذا الخالق وعجائبه جل وعلا. وأبدع في كل واحد منا، وشرح عضو واحد تشريحا صحيحا لبهر العقول ما أودع الله فينا من غرائب صنعه وعجائبه.
إذا نظرت في العينين تجد في العينين من غرائب صنع الله ما يبهر العقول، كيف جعل هذا النور الذي يشع لهذا الإنسان يجتلب عليه جميع مصالحه، ومن ذلك-من الظاهر الواضح- أنه جعل للعين شحمة لئلا يجففها الهواء والريح، وجعل ماء العين ملحا لئلا تنتن الشحمة، لأن الملح يزيل النتن، وصبغ له بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفتح له فما، وجعل له عينا عذبة من الريق يأكل بها الطعام، ولو جف ريقه لما قدر أن يبتلع الزبد الذائب، ومن كمال قدرة الله أن الريق إذا كان يأكل به يبل به الطعام ويبتلعه ويجم له الريق، إذا كان غير وقت الحاجة ينقطع عنه الجم، لئلا يتعبه التفل. فلو جعل له عينيه في قدميه لما رأى بهما شيئا، ولو جعله عمودا واحدا كالخشبة من غير مفاصل لتعب، رتب بعض مفاصله ببعض لينثني، ورتب فقرات الظهر بعضها ببعض، وفرق له أصابع يده، لو جعل يده ملتصقة كيد البعير لم يحل شيئا ولم يعقد شيئا، وشد له رؤؤس أصابعه بالأظفار، وأودع فيه من الغرائب شيئا يبهر العقول.
ونحن نلفت أنظار إخواننا دائما لما لفت الله أنظارنا إليه، بأن كل هذه العمليات-أيها الإخوان –عملها ربنا فينا من غير أن يشق بطن أمهاتنا، ولا أن يخيطها، كل هذه العمليات الهائلة والأم بطنها لم يشق، ولم يحتج إلى أن تبنج، ولا أن تنوم في صحية، يعمله خالق الكون وهي لا تدري وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم٦ ( آل عمران : آية ٦ ). وهذا ننبه الناس إليه دائما، لأن الله يعجب خلقه منهم كيف ينصرفون عن هذا ؟ ! حيث قال في السورة الكريمة سورة غافر : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( الزمر : آية ٦ )
أنتم كلا تعلمون أن الواحد منكم يدخل رحم أمه ليس مخططا مفصلا، ليس فيه رأس، ولا يد، ولا عظم، نطفة ماء من مني، ثم الله " جل وعلا " يخلق هذا المني دما، ثم يخلق الدم علقة، ثم يخلق الدم مضغة، ثم المضغة عظام، إلى آخر ما ذكر. ويخططكم هذا التخطيط، ويفصلكم هذا التفصيل، ويفتح لكم العيون، والأفواه، والآناف، والأسماع، ويجعل في العين حاسة البصر، وفي اللسان حاسة الذوق، وفي ( الأذن ) حاسة ( السمع )( في الأصل :" وفي السمع حاسة الأدن " وهو سبق اللسان ) إلى غير ذلك : ويرتب-أيها الإخوان- هذه العظام والسلاميات هذا الترتيب الغريب العجيب نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ( الإنسان : آية ٢٧ )الأسر : معناه شد الشيء بالشيء وإلصاقه به. إذ لو كان الذي ألصق هذه العظام والسلاميات بعضها ببعض، بل ولو لم يجعله قويا مشدودا لقالوا : سقطت يد فلان البارح، وسقطت رجله، وطاح فخده، لأنه لم يكن مشدودا ! لا، شده خالق السموات والأرض، وألصق العظام بعضها ببعض، والغضارف بالعظام واللحم، وشد هذا شدا محكما نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا٢٧ ( الإنسان : آية ٢٧ ).
الشاهد أن الله نبهنا على فعله فينا وفي أنفسكم أفلا تبصرون ٢١ ( الذاريات : آية ٢١ )وبين لنا أنا ندخل بطون أمهاتنا نطف ماء، ولذا قال : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( الزمر : آية ٦ ) ينقلكم من طور إلى طور مالكم لا ترجون لله وقارا١٣ وقد خلقكم أطوارا ١٧ ( نوح : الآيتان ١٣، ١٤ )وهذا كله الواحد في ظلمات ثلاث : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ( الزمر : آية ٦ )ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، لم يحتج خالق السماوات إلى أن يشق البطن، ويشق الرحم، ويزيل المشيمة التي على الولد، حتى يتمكن بصره، لا، بصره " جل وعلا " وعلمه نافذ، يفعل هذه الأفعال الغريبة العجيبة، ولم تمنعه من ذلك الظلمات الثلاث، ثم قال ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو ثم قال- وهو محل الشاهد- : فأنى تصرفون ( الزمر : آية ٦ ). فأنى تصرفون أين تصرف عقولكم، وتذهب عن فعل خالقكم جل وعلا فيكم ؟ ! ولذا قال " جل وعلا " : الله خالق كل شيء ( الرعد : آية ١٦ )وقد بين غرائب صنعه وعجائبه، وأشار لخلقه للإنسان كما كنا نقول : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( الزمر : آية ٦ ) وهذا الخلق بعد الخلق، والطور بعد الطور، المذكور في قوله : وقد خلقكم أطوارا ١٤ ( نوح : آية ١٤ ) بينه " جل وعلا " في سورة ( قد أفلح المؤمنون ) قال : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين١٢ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ١٣ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين١٤ }( المؤمنون : الآيات ١٢-١٤ )هذه أفعال الله جل وعلا فينا الدالة على أنه الرب وحده، المعبود وحده " جل وعلا "، ولذا قال وهو بكل شيء عليم١٠١ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه يعني : أن فعل هذه الأفعال، وكانت قدرته بهذه المثابة من العظمة هو المعبود وحده جل وعلا.
وهو -جل وعلا- على كل شيء وكيل ( الأنعام : الآيتان ١٠٢، ١٠١ ) أصل الوكيل : هو الذي تفوض إليه الأمور وتسند، ليجلب المصالح فيها، ويدفع المضار، وهو " جل وعلا " هو الوكيل بكل شيء، الذي كل شيء بيده، تفوض أمور كل شيء إليه، يفعل فيها ما يشاء " جل وعلا ". هذا الذي هذه صفاته هو الذي يستحق أن يعبد جل وعلا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير