ويقول سبحانه من بعد ذلك :
ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ( ١٠٢ ) .
انظر التقديم بكلمة رب، قبل ( لا إله إلا هو ) كلمة ( رب ) هذه هي حيثية ( لا إله إلا هو ) ؛ لأن إلها تعني معبودا، ومعبودا يعني مطاعا، ومطاعا يعني له أوامر ونواه، ولماذا لأي سبب ؟. السبب أنه الرب المتولي الإيجاد والتربية. ومن الواجب والمعقول أن نسمع كلامه ؛ لأنه هو الرب والخالق وهو الذي يرزق، بدليل أننا حين نسأل أهل الكفر في غفلة شهواتهم : من خلق السماوات والأرض ؟ تنطق فطرتهم ويقولون :
الله هو الذي خلق السماوات والأرض. أما إن كان السؤال موجها في محاجاة مسبقة فأنت تجد المكر والكذب.
وحين تريد أن تنزع منهم قضية صدق وتضع وتبطل قضية كذب فلتأخذهم على غفلة ودون تحضير فيقولون إن الذي خلق هو الله.
ورأينا الآلات التي صمموها ليكتشفوا الكذب، وليروا العملية العقلية التي تجهد الكذاب، أما صاحب الحق فلا يجهد ؛ لأن صاحب الحق يستقرئ واقعا ينطق به ولا يصيبه الجهد، لكن الذي يكذب يجهد نفسه ويتردد بين أمور ويضطرب ولا يدري بأيها يأخذ ويجيب بإجابات متناقضة في الشيء الواحد.
ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ( ١٠٢ ) ( سورة الأنعام ).
ومادام هو خالق لكل شيء وهو الباقي فهو الأحق بالعبادة ؛ لأن العبادة – كما قلنا – معناها طاعة الأمر وطاعة النهي – ما دام سبحانه الذي خلق فهو الذي يضع قانون الصيانة للإنسان والكون، وإن خالفت المنهج يفسد الكون والإنسان، وإذا فسد الكون أو الإنسان فأنت تلجأ إلى منهج الخالق لتعيد لكل منهما صلاحيته ؛ لذلك هو الأولى بالعبادة. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو .
وهذه شهادة شهد بها لذاته قبل أن يخلق كل شيء، وقبل أن يخلق الملائكة، وشهدت بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم.
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ( من الآية ١٨سورة آل عمران ).
إذن فالله شهد بألوهيته من البداية، ومن أسمائه ( مؤمن ) ونحن مؤمنون بالله، وربنا المؤمن بأنه إله واحد، وهذا الإيمان منه أنه إله واحد، يخاطب كل شيء يريده وهو يعلم أن أي شيء لا يقدر أن يخالفه، إنه يخاطبه بقوله :( كن فيكون ) ولأنه إله واحد يعلم أن أحدا أو شيئا لم يخالفه، لذلك يباشر ملكه وهو العلم بأن الغير خاضع لأمره ولا يمكن أن يتخلف عن مراداته، أو نقول :( مؤمن ) لما خلق ولمن خلق، أي منحهم الأمن والأمان فهو سبحانه القائل :
الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( ٤ ) ( سورة قريش ).
لقد أوضح الحق سبحانه لنا : أنتم خلقي فإن أخذتم منهجي أطعمكم من جوع وآمنكم من الخوف. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء .
إذن فالمنطق يفرض علينا عبادته سبحانه، والأمر المنسجم مع المقدمة، أن لا رب، ولا إله إلا هو، إنه خالق كل شيء، لذلك تكون عبادته ضرورة، ويتمثل ذلك أن تطيعه فيما أمر، وفيما نهى.
وهو على كل شيء وكيل ( من الآية ١٠٢ سورة الأنعام ).
وهذه دقة الأداء البياني في القرآن، فنحن في أعرافنا نقول : فلان وكيل لفلان أي يقوم لصالحه بالأمور التي يريدها، سبحانه ليس وكيلا لك، بل هو وكيل عليك ؛ لأن الوكيل لك ينفذ أوامرك، لكن هو وكيل عليك، مثل الوصي على القاصر وهو وكيل عليه، ويقول للقاصر : افعل كذا فيفعل، سبحانه وكيل علينا، ولذلك نحن نطلب منه وهو الذي يستجيب لدعائنا بالخير، فلان ينفذ رغباتنا الطائشة، ونجد الأحمق من يقول : لقد دعوت الله ولم يستجب لي، ونقول : إنك تفهم الاستجابة أنها تؤدي لك مطلوبك، وسبحانه أعلم بما يناسبك لأنه وكيل عليك ويعدل من تصرفاتك، وساعة تطلب حاجة، إن كان فيها خير يعطيها لك، وإن كنت تظن أنها خير، لكنها ستأتي بالشر لا يعطيها لك.
وعلى من يدعو ألا يتعجل الإجابة. قال صلى الله عليه وآله وسلم :( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول : قد دعوت فلم يستجب لي )١.
وهو على كل شيء وكيل أي سواء أكان هذا الشيء مختارا أم غير مختار ؛ لأن المختار قد يختار شرا، ولأن الله وكيل عليه يقول له : لا، وغير المكلف ولا اختيار له، مقهور لإرادة الله مثل النار، فهي مأمورة أن تحرق، لكنه أمرها ألا تحرق سيدنا إبراهيم وتبقيه سليما.
وتأتي الآية التالية لتؤكد دواعي عظمته سبحانه فيقول :
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير( ١٠٣ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي