تفسير المفردات : الكلمة هنا : القرآن، وتمام الشيء كما قال الراغب : انتهاؤه إلى حد لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه، وتمامها هنا : أنها كافية وافية في الإعجاز والدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، والصدق يكون في الأخبار ومنها المواعيد، والعدل : يكون في الأحكام. والتبديل : التغيير بالبدل.
المعنى الجملي : بعد أن بين في سابق الآيات أن الذين اقترحوا الآيات الكونية، وأقسموا أنهم يؤمنون إذا جاءتهم ـ كاذبون في أيمانهم وأنهم ما هم إلا من شياطين الإنس الذين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وأن دأبهم صرف الناس عن إتباع الحق وتزيين الباطل، فيغتر بهم من لا يؤمن بالآخرة ويرضى بهم لموافقتهم أهواءه.
ذكر هنا الآية الكبرى، وهي القرآن فهو أقوى الأدلة على رسالة نبيه من جميع ما اقترحوا، هو الذي يجب الرجوع إليه في أمر الرسالة وإتباع حكمه فيها، دون أولئك الضالين المبطلين، من شياطين الإنس والجن.
الإيضاح : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا قد تطلق الكلمة على الجملة والطائفة من القول في غرض واحد، فإذا كتب أحد أو خطب في موضوع ما قيل كتب أو قال كلمة، وكانوا يسمون القصيدة كلمة، وقالوا كلمة التوحيد يعنون : لا إله إلا الله، والمراد بها هنا ما أريد بها في قوله : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [ هود : ١١٩ ].
والمعنى : وتمت كلمة ربك فيما وعدك به من نصرك، وأوعد به المستهزئين بالقرآن من الخذلان والهلاك، كما تمت في الرسل وأعدائهم من قبلك ما قال : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم لهم المنصورون١٧٢ وإن جندنا لهم الغالبون [ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ].
وتمامها صدقا هو حصولها على الوجه الذي أخبر به، وتمامها عدلا باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين بما يستحقون أيضا، وقد يزدادون على ذلك فضلا من الله ورحمة، والمراد بالخبر هنا : لازمه وهو تأكيد ما تضمنته الآيات من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على كفر هؤلاء المعاندين وإيذائهم له ولأصحابه، وإيئاس للطامعين من المسلمين في إيمانهم حين إيتائهم الآيات المقترحة.
وخلاصة المعنى : كما أن سنتي قد مضت بأن يكون للرسل أعداء من شياطين الإنس والجن، تمت كلمتي بنصر المسلمين وخذلان الأعداء المفسدين.
لا مبدل لكلماته أي إن كلمة الله في نصرك وخذلان أعدائك قد تمت وأصبحت واقعة نافذة حتما لا مرد لها، لأن كلمات الله لا مبدل لها، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يزيلها بكلمات أخرى تخالفها وتمنع صدقها على من وردت فيهم، كأن يجعل الوعد وعيدا أو الوعيد وعدا، أو يصرفهما عن الموعود بالثواب أو الموعد بالعقاب إلى غيرهما، أو يحول دون وقوعهما.
والخلاصة : إنه لا مغير لما أخبر عنه من خبر أنه كائن فيبطل مجيئه، وكونه على ما أخبر جل ثناؤه.
وهو السميع العليم أي إنه تعالى سميع لتلك الأقوال الخادعة عنهم، عليم بما في قلوبهم من المقاصد والنيات، وبما يقترفون من الذنوب والسيئات.
تفسير المراغي
المراغي