وعاند، وتنكّر لأوامر الله ولم يأبه بما حظره الله ومنعه، وأهمل نداء الحقّ والخير.
القرآن الكريم دليل صدق رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)
الإعراب:
أَفَغَيْرَ اللَّهِ منصوب بأبتغي. حَكَماً إما منصوب على الحال، أو على التّمييز.
مُنَزَّلٌ نائب الفاعل له ضمير مستتر يعود على الكتاب. مِنْ رَبِّكَ في موضع نصب لأنه يتعلّق بمنزّل. بِالْحَقِّ حال من ضمير مُنَزَّلٌ.
صِدْقاً وَعَدْلًا منصوبان على المصدر، وقيل: يجوز كونهما مصدرين في موضع الحال، بمعنى صادقة وعادلة.
البلاغة:
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الخطاب للرّسول صلّى الله عليه وسلّم على طريق إثارة الحماسة وإلهاب المشاعر، أو التّهييج والإلهاب، كقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام ٦/ ١٤].
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، أي تمّ كلامه ووحيه.
المفردات اللغوية:
أَبْتَغِي أطلب. حَكَماً قاضيا بيني وبينكم، والحكم: من يحكم بالحقّ فقط، فهو أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التّسمية بحكم إلا من يحكم بالحقّ لأنها صفة تعظيم في مدح، أما الحاكم
فهو صفة جارية على الفعل، فقد يسمّى بها من يحكم بغير الحقّ. مُفَصَّلًا مبيّنا فيه الحقّ والباطل، والحلال والحرام. الْمُمْتَرِينَ المترددين الشّاكين.
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ المراد بالتّمام هنا: أن كلمة الله وافية في الإعجاز، والدّلالة على صدق الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بالكلمة هنا: القرآن. وأصل معنى تمام الشيء: انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه. صِدْقاً الصدق يكون في الأخبار ومنها المواعيد. وَعَدْلًا العدل يكون في الأحكام. لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ التّبديل: التّغيير بالبدل، والمعنى: لا مبدّل لكلمات الله بنقض أو خلف.
المناسبة:
بعد أن ندّد الله تعالى بالكفار الذين أقسموا بالله ليؤمنن بالآيات إذا جاءتهم، وأبان أنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرّين على كفرهم، أبان هنا أنّ الدّليل الدّال على نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم قد حصل من وجهين:
الأول- أنه أنزل إليه الكتاب المفصّل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخلق عن معارضته، مما يدلّ على صدق نبوّته.
والثاني- اشتمال التّوراة والإنجيل على الآيات الدّالة على أنّ محمدا صلّى الله عليه وسلّم رسول حقّ، وعلى أنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله، وهو المراد بقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ.
والوجهان مذكوران في قوله تعالى: قُلْ: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد ١٣/ ٤٣].
وبعد أن بيّن تعالى أنّ القرآن معجز، ذكر أنّه تمّت كلمة ربّك، أي القرآن، والمراد: تمّ القرآن في كونه معجزا دالّا على صدق محمد عليه الصّلاة والسّلام.
التّفسير والبيان:
يأمر الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره:
ليس لي أن أطلب قاضيا بيني وبينكم لأنه لا حكم أعدل من حكم الله، ولا قائل أصدق من قوله، وهو الذي أنزل إليكم القرآن مبيّنا فيه حكم كلّ شيء، من العقائد والشّرائع والآداب، وقد جاوزت سنّ الأربعين، ولم يصدر عنّي مثله في العلوم والمعارف، والأخبار الماضية والمستقبلة، ولا في الفصاحة والبلاغة، كما قال تعالى: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [يونس ١٠/ ١٦]، أي: أفغير الله أطلب لكم حاكما، وهو الذي كفاكم مؤنة المسألة، في الآيات، بما أنزله إليكم من الكتاب المفصّل، أي المبين.
وبعبارة أخرى: لا فائدة من طلبكم دليلا على صدق نبوّتي، فهناك دليلان واضحان يؤيّدان رسالتي، وهما الآية الكبرى وهي القرآن المعجز الدّال بإعجازه على أنّه كلام الله، واشتمال التّوراة والإنجيل على ما يدلّ على أنّي رسول الله حقّا وأنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله تعالى.
وإن أنكر هؤلاء المشركون أحقيّة القرآن وكذّبوا به، فإن اليهود والنصارى أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربّك بالحقّ، بما ورد عندهم من البشارات بك، على لسان الأنبياء المتقدّمين، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة ٢/ ١٤٦].
فلا تكونن يا محمد من المترددين الشّاكين، وهذا على أسلوب التّهييج والإلهاب، أو على طريق التّعريض، كقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس ١٠/ ١٠٥]، وقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ، لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [يونس ١٠/ ٩٤].
وليس هذا النّهي مؤذنا بوقوع الشّك من النّبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه شرط، والشّرط
لا يقتضي وقوعه، لذا
قال عليه الصّلاة والسّلام: «لا أشكّ ولا أسأل».
وتمّ كلام الله وهو القرآن، فلا يحتاج إلى إضافة شيء فيه، وأصبح كافيا وافيا بإعجازه وشموله، ودلالته على الصدق، فهو صادق فيما يقول، عدل فيما يحكم، صدقا في الإخبار عن الغيب، وعدلا في الطلب، فكلّ ما أخبر به فهو حقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فباطل، فإنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن مفسدة وشرّ، كما قال تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف ٧/ ١٥٧].
وكلّ ما ورد في القرآن من أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص وخبر لا تغيير فيه ولا تبديل لكلمات الله، وليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدّنيا ولا في الآخرة.
وهو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كلّ عامل بعمله.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية الأولى بتّ قاطع في مسألة التّحكيم الذي طالب به المشركون بينهم وبين النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي ردّ مفحم عليهم بأنّه قد قام الدّليل القاطع على إثبات نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم من ناحيتين:
الأولى- تأييده بالقرآن الكريم وهو المعجزة الدائمة الخالدة الدّالة على النّبوة.
الثانية- معرفة أهل الكتاب وبشارات أنبيائهم به وبصدقه وبصدق القرآن.
ودلّت الآية الثانية: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ على وجوب اتّباع دلالات
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي