وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ١١٥ ( الأنعام : آية ١١٥ ) وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا قرأ هذا الحرف جمهور القراء ما عدا الكوفيين الثلاثة، قرأه من السبعة : نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، كلهم قرؤوا : وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا بصيغة الجمع، وقرأه الكوفيون، أعني : عاصما، وحمزة، والكسائي : وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا بالإفراد. ومعنى القراءتين واحد، لأن ( الكلمة ) أضيفت إلى معرفة فتعم، كقوله : وإن تعدوا نعمت الله ( إبراهيم : آية ٣٤ ) أي : نعم الله فليحذر الذين يخالفون عن أمره ( النور : آية ٦٣ ) أي : أوامره وتمت كلمت ربك أي : كلمات ربك. وقد بين الله ( جل وعلا ) في آيات من كتابه أن كلماته ( جل وعلا ) لا حصر لها ولا نهاية، كما قال في قوله جل وعلا : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ( لقمان : آية ٢٧ ) وكقوله : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا١٠٩ والمراد بالتمام هنا : الكمال التام من جميع الجهات، والمعنى : أن كلمات الله – ومنها هذا القرآن العظيم –أنها بالغة غاية الكمال والتمام.
وقوله : صدقا وعدلا قال بعضهم : هما تمييز محول عن الفاعل. أي تم صدقها وعدلها.
وقال بعض العلماء : هما مصدران حالان. أي : تمت في حال
وأعربها بعض العلماء بأن كليهما ما ناب عن المطلق، لأن التمام يتضمن معنى الصدق والعدالة، أي : تمت، أي : صدقت وعدلت. صدقا وعدلا والمعنى أنها كاملة صدقا في أخبارها، وعدلا في أحكامها. وقوله صدقا أي : في جميع الأخبار وعدلا أي : في جميع الأحكام. فما في القرآن من أحكام فهو في غاية العدالة، والإنصاف، ومراعاة مصالح البشر في دنياهم وأخراهم، وما فيه من الأخبار فهو صحيح حق مطابق للواقع، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يعني أن ما تخبرون فيه من الأخبار هو حق، وما تؤمرون فيه وما تنهون عنه فيه من الشرائع فهو في غاية العدالة والكمال، وإذا كانت كلمات الله بهذه المثابة من الكمال والصدق في الأخبار، والعدالة في الأحكام، فليس لأحد أن يطلب عنها غيرها، فالله ( جل وعلا ) كلماته تامة في عدالتها، كل شرعه في غاية العدالة، والإنصاف، والإحكام، وكل أخباره في غاية الصدق، ولذا فإن هذا القرآن العظيم جاء للبشرية بخير الدنيا والآخرة، أما في دار الدنيا : فجاء فيه تنظيم علاقاتها، أمر فيه الفرد بأن يكون لبنة صالحة لبناء المجتمع، بأن يكون سخيا باذلا لما لديه، وأن يكون شجاعا مضحيا، وأن يكون مخلصا لأمته لا يغشها، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق. وعلم الإنسان كيف يعاشر أقرب الناس إليه، زوجته، وأبنائه، وأسرته الأدنين، أمره أن يتحفظ منهم غاية التحفظ لدينه ودنياه، لأنهم ربما أوقعوه فيما لا ينبغي، ثم أمره إذا وجد منهم ما لا يحب أن يعاملهم باللين والصفح والمغفرة، كما قال في التغابن : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ( التغابن : آية ١٤ )فمن شدة حكمته يعلم الإنسان كيف يعاشر اسرته الأدنين، ثم إذا عثر منهم على ما لا ينبغي أمره ألا يعاملهم بالشدة والمكروه، ولذا قال في هذه الآية : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ثم قال- إذا رأى منهم ما يكره- : وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم وعلم الإنسان كيف يعاشر مجتمعه، وبين له ما يعاشر به مجتمعه من الوفاء، والإخلاص، والبذل، والسخاء، والتضحية، وأمر الرؤساء أن يلينوا للمرؤوسين، وأن يسعوا في مصالحهم، وينصفوهم، ويلينوا لهم الجانب فبما رحمة من الله لنت لهم ( آل عمران : آية ١٥٩ ) واخفظ جناحك للمؤمنين ( الحجر : آية ٨٨ ) وأمر المرؤوسين أن يطيعوا الرؤساء، ويعاونوهم على الخير، والسمع والطاعة، لتتحدد جهود الجميع إلى ما فيه مصلحة الدنيا والآخرة. وأحاط الجواهر الست التي عليها مدار المظالم والإنصاف في دار الدنيا، لأن جميع المظالم والإنصاف في دار الدنيا إذا تأملتها فهي راجعة إلى ست جواهر، اعتنى دين الإسلام بالإحاطة بها، وهذه الجواهر الست – أعني بها – الدين، والنفس والنسب، والعقل، والمال، والعرض، هذه الجواهر الست التي تدور حولها المظالم والإنصافات في الدنيا، واعظمها : دين الإنسان. فهؤلاء الذين يأتون البلاد متمسكة بدين، ويدسون لهم السموم، والمذاهب الهدامة، والتعاليم الخبيثة، حتى يضيعوا دينهم، ويفصلوا بينهم وبين خالقهم، هذا أكبر عدوان، وأعظم جريمة عرفها التاريخ. كذلك الأنفس بعد ذلك، الذي يظلم إنسانا فيقتله ظلما، ثم بعد ذلك تكون العقول، كالذي يضيع عقل الإنسان، أو إنسان يضيع عقل نفسه، كالذي يشرب الخمر. فالله ( جل وعلا ) حمى الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم :" من بدل دينه فاقتلوه " حماية للدين. وقال الله جل وعلا : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( الأنفال : آية ٣٩ ) وقد حمى الله الأنفس، ولذلك شرع القصاص حياطة لأنفس الناس، لأن من أعظم السد دون القتل وهو شرعية القصاص، والله يقول : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ( البقرة : آية ١٧٩ ) هذا من مراعاة القرآن لمصالح البشرية في دينها ودنياها، لأن القاتل إذا احترق قلبه من الغضب فأخذ الآلة ليقتل تذكر إيقافه للقصاص على الخشبة للقتل فارتعدت فرائصه، وخاف من ذلك الموقف الهائل، فسلم هو من القتل، وسلم من كان يريد أن يقتله، كما قال : ولكم في القصاص حياة ( البقرة : آية ١٧٩ ) وقد جعل على العقول حمى، حيث حرم شرب كل ما يضر بالعقل من مسكر ونحوه، وقال صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام " " ما أسكر كثيره فقليله حرام " إنما الخمر والميسر و الأنصاب والأزلام ( المائدة : آية ٩٠ ) إلى قوله : فاجتنبوه لعلكم تفلحون وتحريم هذه المسكرات كلها محافظة من النظام السماوي على عقول الناس، لأنه من شرب فضاع عقله ارتكب كل فاحشة وكل سوء – والعياذ بالله- لأن نور العقل هو النور الذي يميز الإنسان به بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، فربما إذا سكر ربما وقع على ابنته، وربما ضرب جاره، وذكر بعضهم في تفسير آية الخمر في سورة المائدة : أنه رأى شائبا شاربا – والعياذ بالله – يبول في يده- يتخيل للخبيث أنه يتوضأ – ويستنشق ويتمضمض بالبول، ويغسل وجهه ولحيته بالبول، ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا، والماء طهورا ! وهو لا يدري أنه يغسل وجهه بالبول والعياذ بالله ! فالخمر أم الخبائث، ولمحافظة دين الإسلام على العقول حرم كل ما يضر بالعقل، فحرم شرب الخمر، وأوجب النبي صلى الله عليه وسلم الحد في شربها، كذلك حافظ القرآن العظيم على أنساب الناس، فمنع الزنى صيانة للأنساب، وتطهيرا للفرش من التقذير، لئلا تتقذر فرش المجتمع وتختلط أنسابه. ولذا قال : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ( الإسراء : آية ٣٢ ) وأوجب في الزنا الجلد الرادع " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة " ( النور : آية ٢ ) كل هذا محافظة على الأنساب ومكارم الأخلاق، لئلا تتقذر فرش المجتمع، وتختلط أنسابه. وفي آية محكمة الحكم منسوخة التلاوة : أن الزاني المحصن أنه يرجم، لأن جريمته عظمى، والذي اعتاد النساء لا يصبر عنهن، فكان الزجر في جنبه أغلظ لأنه ارتكب أخس جريمة، وتعرض لاختلاط أنساب الناس، وتقذير فرش المجتمع، فقتله القرآن في آية منسوخة التلاوة، باقية الحكم " الشيخ [ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " فهذا الحد ] ( في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام، وقد جاء في بعض الروايات زيادة " بما قضيا من اللذة " ) يطهر به البدن.
وهذه نبذ قليلة يفهم بها الإنسان كيف حافظ دين الإسلام على مصالح البشر، وأحاط أديانهم وأحاط أنفسهم، وحفظ عقولهم، وأنسابهم، وأعراضهم، وأموالهم، كل هذا تشريع رب العالمين، ينظم فيه علاقات الدنيا على أكمل الوجوه، ويهذب أرواحها لتتقي، والقرآن العظيم اعتنى بالإنسان من ناحيتيه : من ناحيته الجسدية، وناحيته الروحية، لأن هذا الحيوان المسمى بالإنسان هو مركب من عنصرين مختلفين في الحقيقة أشد الاختلاف، أحدهما : يسمى الروح والثاني يسمى الجسد، ولا بد لكل منهما من متطلبات، فللروح متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الجسد، وللجسد متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الروح. فالقرآن العظيم جاء للإنسان بمتطلباته الجسدية، ومتطلباته الروحية، فنظم له جميع العلاقات التي بها تقدمه وقوته في الدنيا في جميع الميادين من حيث إنه جسد حيواني، وبين له طرق الصلة بالله لتتهذب روحه على ضوء النور السماوي، لأن الروح هي التي لها الأهمية، والمادة إذا طغت وقويت ولم تقدها روح مهذبة كانت ويلة عظمى على البشرية. وأنتم تشاهدون هذا في الدنيا، تشاهدون الكتلة الشرقية والغربية، كلتاهما نجحت غاية النجاح في خدمة الإنسان من حيث إنه جسد حيواني، وأفلستا كل الإفلاس في خدمة الإنسان من ناحيته الروحية، وصارت هذه المادة لم تقدها روح مرباة مهذبة على ضوء تعليم سماوي، فكانت ويلة عظمى على البشرية، وخطرا داهما يهدد الإنسان، ولذلك تجدونهم يعقدون المؤتمر بعد المؤتمر، والمجلس بعد المجلس ليدمروا القوة التي بذلوا فيها النفس والنفيس خوفا منها، وكل منهم يبيت في قلق من القوة التي بذلوا فيها النفس والنفيس ! !
كل ذلك إنما جاءهم من إهمالهم الناحية الروحية، لأن أرواحهم لو كانت مرباة على ضوء نور سماوي من تعاليم رب العالمين كان البشر في أمن وطمأنينة أن تلك الروح المهذبة المرباة لا تقود تلك المادة الطاغية، والقوة الهائلة إلا قيادة طبيعية لخير البشرية، وخير الدنيا والآخرة. فإهمال الناحية الروحية هو من أعظم البلايا والويلات.
ونحن دائما ننبه أبناءنا معاشر المسلمين، لأنا نأسف كل الأسف أنهم أضلتهم الحضارة الغربية، فانفصلوا عن تعاليم السماء، وقطعوا الصلة بينهم وبين من فتح أعينهم، ونحن نبين لهم الحقائق، ونضرب لهم الأمثال، لأن الحضارة الغربية بالإستقرار التام لا يمكن أن يكابر جاحد للمحسوس جمعت بين نافع لا مثال لنفعه، وبين ضار لا مثال لضره. أما الذي حصلته من النفع : فهو ما حصلت عليه من التقدم المادي، والتقدم التنظيمي في جميع ميادين الحياة، فهذا الأمر كماء المزن، والتواكل عنه عجز، وضعف، وتمرد على نظام السماء، لأن نظام السماء يأمر المسلم أن يكون قويا متقدما في جميع الميادين العملية، سابحا في جميع الميادين العملية وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ( الأنفال : آية ٦٠ ) هذا الأمر كأنه يقول : أعدوا ما يكون في المستطاع من القوة كائنا ما كان، مهما تطورت القوة، ومهما بلغت، فالمتواكلون العجزة الذين لا يعدون القوة متمردون على نظام السماء، مخالفون لأمر خالق السماوات والأرض فليحذر الذين يخالفون عن أمره ( النور : آية ٦٣ ) ومن نظر في القرآن وجده جامعا بين الأمرين : الأمر بالقوة والتقدم، مع المحافظة على الآداب الروحية.
ونحن دائما نضرب بعض الأمثال : اقرؤوا آيتين من سورة النساء :{ و
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير