ويقول الحق بعد ذلك :
وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا لاّ مبدّل لكلماته وهو السّميع العليم ( ١١٥ ) :
وكلمة " تمت " تدل على أن المسألة لها بداية ولها خاتمة، فما المراد بالكلمة التي تمت ؟. أهي كلمة الله العليا بنصر الإسلام وانتهاء الأمر إليه ؟ أو هو تماما أمر الرسالة حيث قال الحق :
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.. ( ٣ ) [ سورة المائدة ].
أو كلمت ربّك المقصود بها قرآنه ؟. ونرى أن معنى تمت استوعبت كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة، فليس لأحد أن يستدرك على ما جاء في كتاب الله حكما من الأحكام ؛ لأن الأحكام غطت كل الأقضية. ولفظ " كلمة " مفردة لكنها تعطي معنى الجمع. وأنت تسمع في الحياة اليومية من يقول : وألقى فلان كلمة طيبة قوبلت بالاستحسان والتصفيق. هو قال كلمات لكن التعبير عنها جاء ب " كلمة " إذن تمّت كلمت ربّك المقصود بها المنهج الذي يشمل كل الحياة، واقرأ قوله الحق :
كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. ( ٥ ) [ سورة الكهف ]
أهي كلمة أو كلمات ؟ أنها كلمة ولكن فيها كلمات. إذن لفظ " كلمة " تطلق ويراد بها اللفظ المفرد، وتطلق ويراد بها الكلام. والكلمة في الأصل لفظ مفرد، أي لا يكون معها لفظ آخر، ولكنها تدل على معنى، فإذا كان المعنى غير مستقل بالفهم ؛ ويحتاج إلى ضميمة شيء إليه لنفهمه فهذا حرف، وأنت تقول : " في " وهو لفظ يدل على الظرفية، إلا أنه غير مستقل بالفهم ؛ لأن الظرف يقتضي مظروفا ومظروفا فيه، فتقول : " الماء في الكوب " لتؤدي المعنى المستقل بالفهم. وكذلك ساعة تسمع كلمة " من " تفهم أن هناك ابتداء، وساعة تسمع كلمة " إلى " تعلم أن هناك انتهاء. وإن كان يدل على معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو الاسم. وإن كان الزمن جزءا منه فهو " الفعل ". أما " الكلام " فهو الألفاظ المفيدة.
وحين تسمع " سماء " تفهم المعنى، وكذلك حين تسمع كلمة " أرض " وهو معنى مستقل بالفهم. وحين تسمع كلمة " كتب " فهي تدل على معنى مستقل بالفهم، والزمن جزء من الفعل، فكتب تدل على الزمن الماضي و " يكتب " تدل على الحاضر و " سيكتب " تدل على الكتابة في المستقبل. إذن ف " الكلمة " لفظ يدل على معنى فإن كان غير مستقل بالفهم فهو حرف. و " الكلمة " قد يقصد بها الكلام.
وقوله الحق : تمت كلمة ربك تعني الكثير. فإن أردت بها القرآن فالمقصود هو كلمة الله. وكلام الله نسميه " كلمة، لأن مدلوله كلمة واحدة. انتهت وليس فيها تضارب، هذا إن أردنا بها القرآن، ولتفهم أن القرآن قد استوعب كل شيء، وكل قضية في الوجود وأيضا لم ينس أو بدل فيه حرف ؛ بل بقي وسيبقى كما أنزل ؛ لأن الآفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا بعضها ونسوا بعضها، وحرفوا بعضها، وكان حفظها موكولا إلى المكلفين ومن طبيعة الأمر التكليفي أنه يطاع مرة، ويعصي مرة أخرى. وإن أطاعوا حافظوا على الكتب، وإن عصوا حرفوها بدليل قوله الحق :
إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله.. ٤٤ [ سورة المائدة ].
و استحفظوا أي طلب منهم أن يحافظوا عليه، وهذا أمر تكليفي عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، لكن الأمر اختلف بالنسبة للقرآن فقد قال الحق :
إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون ( ٩ ) [ سورة الحجر ].
فسبحانه هو من يحافظ على القرآن، وليس للبشر لأن القرآن معجزة، والمعجزة لا يكون للمكلف عمل فيها أبدا.
إذن فقوله الحق : " تمت كلمة ربك " المقصود بها أن تطمئن على أن القرآن الذي بين يديك إلى أن تقوم الساعة هو هو لن تتغير فيه كلمة، بدليل أنك تتعجب في بعض نصوص القرآن، فتجد نصا مساويا لنص، ثم يختلف السياق، فيقول الحق :
كلا إنّه تذكرة ( ٥٤ ) فمن شاء ذكره ( ٥٥ ) [ سورة المدثر ]
ومرة أخرى يقول سبحانه :
كلا إنّها تذكرة ( ١١ ) فمن شاء ذكره ( ١٢ ) [ سورة عبس ]
ومرة أخرى يقول :
إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا ( ١٩ ) [ سورة الإنسان ]
فهذا لون ونوع من التشابه من الآيات ليقول لنا الحق :
فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ( ١٨ ) [ سورة القيامة ].
والحق يقول :
قد أفلح المؤمنون ( ١ ) الّذين هم في صلاتهم خاشعون ( ٢ ) والذين هم عن اللّغو معرضون ( ٣ ) والّذين هم للزّكاة فاعلون ( ٤ ) والّذين هم لفروجهم حافظون ( ٥ ) إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين ( ٦ ) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ٧ ) والّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ( ٨ ) والّذين هم على صلواتهم يحافظون ( ٩ ) [ سورة المؤمنون ].
وفي آية أخرى :
والّذين هم على صلاتهم يحافظون ( ٣٤ ) [ سورة المعارج ]
وكل ذلك يدلّك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت، وبذلك تكون كلمة ربك قد تمت. أو قول الله : " وتمت كلمة ربك " ليدل على أن كلمة الله هي العليا، ولذلك تلاحظ أن " كلمة الله هي العليا " لم يجعلها الحق جعلا، وإنما جاءت ثبوتا، وسبحانه القائل :
وجعل كلمة الّذين كفروا السّفلى.. ( ٤٠ ) . [ سورة التوبة ]
هذا السياق الإعرابي حصل فيه كسر مقصود، والسياق في غير القرآن أن يقول : وجعل كلمة الله هي العليا، ولكنه سبحانه يقول : وجعل كلمة الّذين كفروا السّفلى وكلمة الله هي العليا ، وسبحانه أراد بذلك أن نفهم أن كلمة الله هي العليا دائما وليست جعلا. وهذا دليل على أن كلمته قد تمت.
ونلحظ أن قول الحق : " وتمت كلمة ربك " تأتي بعد " أفغير الله أبتغي حكما "، واستقرئ موكب الرسالات من لدن آدم، وانظر إلى حكم الله بين المبطلين والمحقين، وبين المهتدين والضالين : إنه الحق القائل :
فكلاّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا [ من الآية ٤٠ سورة العنكبوت ]
والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة لقوم عاد.
ومنهم من أخذته الصيحة [ من الآية ٤٠ سورة العنكبوت ]وهم قوم ثمود، يسميها مرة الصيحة، وأخرى يسميها الطاغية : فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية ( ٥ ) ( سورة الحاقة )
ومرة يخسف بهم الأرض مثلما فعل مع قارون : فخسفنا به وبداره الأرض
وكذلك : ومنهم من أغرقنا .
وقد أغرق الله قوم فرعون وكذلك أغرق من قبلهم المكذبين لنوح. إذن كل قوم أخذوا حكم الله عليهم، لكنك يا محمد مختلف عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية، وعلى المنهج، ولذلك قال الحق :
وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا ( ١٥ ) [ من الآية ١٥ سورة الإسراء ]
وبعد أن بعث الحق رسوله صلى الله عليه وسلم قال :
وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم [ من الآية ٣٣ سورة الأنفال ]
إذن " تمت كلمة ربك "، وهي الفصل النهائي :
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( ١٧١ ) إنّهم لهم المنصورون ( ١٧٢ ) وإنّ جندنا لهم الغالبون ( ١٧٣ ) [ سورة الصافات ]
وأنتم المنصورون لأنكم منسوبون إلى منهج غالب، والنصر للمنهج الغالب يقتضي الإخلاص، فإن تنصروا المنهج بإتباعه ينصركم من أنزل المنهج، فهو القائل :
لأغلبنّ أنا ورسلي.. ( ٢١ ) [ سورة المجادلة ]
وما قاله كان الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقا للكلام.
وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا.. ١١٥ [ سورة الأنعام ]
أي وافق الواقع الكوني ما قال الله به. وكيف كان الواقع صادقا وعادلا في آن واحد ؟ لنفرض أنك أحضرت مدرسا خصوصيا لولدك، وصادف أنه هو الذي يدرّس في المدرسة وهو الذي يدرّس لابنك ثم قلت له : أريد أن ينجح الولد في الامتحان. ووعد المدرس بذلك ثم جاء الامتحان ونجح الولد، فتكون كلمة المدرس قد صدقت. لكن هل هذا عدل ؟ قد يكون المدرس هو واضع الأسئلة ولّمح للولد بالأسئلة، ويكون النجاح حينئذ غير عادل ؛ لكن كلمة الله تجيء مطابقة لما قال، موقعها مطابق لما قال، وهي كذلك عدل ؛ لأنه سبحانه أوضح الثواب والعقاب : وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا . لأنه لا مبدل لكلمات الله، ولا يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلاقة القدرة.
أما بالنسبة للبشر فقد علّم الله عباده احتياط الصدق في كلامهم ؛ فأوصاهم :
ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلّا أن يشاء الله.. ٢٤ [ سورة الكهف ]
لأن فعل ذلك إذا والإتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق بالمستقبل الذي لا نتحكم فيه، فاحم نفسك وقل : " إن شاء الله "، فإن لم يحدث يمكنك أن تقول : لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به، وبذلك يحمي الإنسان نفسه من أن يكون كاذبا ويجعل نفسه صادقا فلا يتكلم إلاّ على وفق ما عنده من قوانين الفعل وعدم الفعل ؛ لأنه عندما تقول : " أفعل ذلك غدا ". ماذا ستفعل غدا وأنت لا تضمن نفسك وحياتك وظروفك ؟ ! لكن الله إذا قال : " سأفعل : فله طلاقة القدرة.
وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا لاّ مبدّل لكلماته وهو السّميع العليم ( ١١٥ ) [ سورة الأنعام ]
وما دامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه سبحانه سميع لما قالوه في عداوتهم، وعليم بما دبروه من مكائدهم، وهو القائل من قبل :
وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم.. ١٢١ [ سورة الأنعام ]
أي ليعلموهم بخفاء، فإن كان كلامهم ظاهرا فهو مسموع، وإن كان بخفاء فهو معلوم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي