إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين١١٧ ( الأنعام : آية ١١٧ ) لما بين الله لنبيه أن أكثر أهل الأرض ضالون مضلون، وأنه إن أطاعهم أضلوه، بين أنه ( جل وعلا ) عالم بمن سبق له الضلال في الأزل، ومن سبق له الهدى في الأزل فيسر كلا منهما لما خلقه له، لأن أصحاب النبي صلى اله عليه وسلم لما سألوه وقالوا : هذه الأعمال التي نسعى لها، وجزاؤها، وما نصير إليه، هل هو أمر مؤتنف، أو أمر قضي، وكتب، وفرغ منه ؟ فلما بين لهم أن الله قدر ما سيكون، قالوا : أفلا نتكل على الكتاب السابق، ونترك العمل ؟ فمن قدر الله له الجنة لابد أن يدخلها، ومن قدر له النار لا بد أن يدخلها ؟ فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن كلا ميسر لما خلق له.
فهو يخلق الخلق ويجبلهم على ما شاء، من خبث وطيب ثم ييسر كلا لما خلقه له. وهو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ( التغابن : آية ٢ ) فريق في الجنة وفريق في السعير ( الشورى : آية ٧ ) فمنهم شقي وسعيد ( هود : آية ١٠٥ ) فهو ( جل وعلا ) يخلق الناس وييسر كلا لما خلقه له من خير أو شر وهو أعلم بالمهتدين ( الأنعام : آية ١١٧ ) الذي سبق له الهدى في الأزل فييسره للهدى. وأعلم بالمعتدي الضال الذي سبق له الضلال في الأزل فييسره للهدي. -والعياذ بالله – كما قال : فأما من أعطى واتقى٥وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى٧ وأما من بخل واستغنى٨ وكذب بالحسنى ٩فسنيسره للعسرى١٠ ( الليل : ا لآيات ٥-١٠ ) ولذا قال هنا : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين١١٧ )( أعلم ) هنا ليست في معنى صيغة التفضيل، بل هي هنا بمعنى الوصف، لأن صيغة التفضيل لا بد أن يشرك فيها المفضل والمفضل عليه في نفس المصدر، ثم يكون المفضل أكثر فيه من المفضل عليه، فإذا قلت " زيد أعلم من عمرو " معناه : أنهما مشتركان في العلم إلا أن هذا يفوق هذا فيه، ولا يجوز أن تقول :" زيد أعلم من الحمار "، لأن الحمار لا يشاركه في العلم. وكذلك قوله هنا :{ أعلم من يضل عن سبيله لا يشارك الناس ربهم في علم عواقب الناس، وما يؤولون إليه من ضلال وهدى، لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، ولذلك صيغة التفضيل تأتي بمعنى الوصف ليست مرادا بها التفضيل، كقولهم : " الناقص والأشج أعدلا بني أمية " أي : هما العادلان منهم. وهذا موجود في كلام العرب، ومنه قول الفرزدق :
| إن الذي رفع السماء بني لنا | بيتا دعائمة أعز وأطول |
| وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن | بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل |
واختلف علماء العربية في إعراب ( من ) في قوله هنا : من يضل عن سبيله فعلماء الكوفة يقولون : إنها مفعول به ل( أعلم )، لأنهم يجيزون عمل صيغة التفضيل في نصبها للمفعول، هذا قول الكوفيين. وخالفهم عامة نحاة البصرة زاعمين أن صيغة التفضيل لا يمكن أن تنصب المفعول، ولذا اختلفوا في إعراب بيت العباس بن مرداس السلى المشهور حيث قال :
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
| أكر وأحمى للحقيقة منهم | وأضرب منا بالسيوف القوانس |
والذي يظهر لنا في القواعد العربية : أن هذه المسألة الصواب فيها مع الكوفيين لا مع البصريين، وأن صيغة التفضيل تنصب المفعول، وأنه لا مانع من ذلك، لأن صيغة التفضيل مستندة على مصدر، فقوله : " وأضرب من السيوف القوانس " في معنى قولك : يزيد ضربنا القوانس على غيرنا. وهذا لا ما نع من عمله، فالمصدر الكامن فيها، القياس أن يعمل عمل فعله. وخالف البصريون في ذلك، وهذا معنى كلام علماء العربية في قوله : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ( الأنعام : آية ١١٧ )عالم بالضالين في الأزل وهو ميسرهم لما خلقهم له، وعالم بالمهتدين في الأزل وميسرهم لما خلقهم له، وهو يعلم أنك يانبي الله ومن اتبعك من المهتدين، وأن من خالفك من الضالين المعتدين. وهذا معنى قوله : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين١١٧ .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير