المعنى الجملي : بعد أن أجاب سبحانه عن شبهات الكفار وبين بالدليل صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ـ ذكر هنا أنه لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله هؤلاء الجهال، لأنهم يسلكون سبيل الضلال والإضلال، ويتبعون الظنون الفاسدة الناشئة من الجهل والكذب على الله، فلا ينبغي الركون إليهم والعمل بآرائهم.
وفي سياق الحديث ذكر أن أكثر الأمم في عهد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ضلالا يغلب عليهم الشرك، بعد أن أبان ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم ثم أردف ذلك بيان مسألة هامة لها خطرها وهي من أصول الشرك، تلك هي مسألة الذبائح لغير الله.
الإيضاح : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه العرب تقول : ما لك ألا تفعل كذا ؟ على معنى، وأي شيء يمنعك من ذلك ؟ والمراد هنا وأي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ؟
وقد فصل لكم ما حرم عليكم أي وقد فصل لكم ما حرمه عليكم وبينه بما سيأتي في قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله [ الأنعام : ١٤٥ ] ومعنى " أهل لغير الله به " : أي ذكر عليه اسم غيره عند ذبحه كالأصنام والأنبياء والصالحين الذين وضعت التماثيل ذكرى لهم.
إلا ما اضطررتم إليه أي إلا ما دعتكم الضرورة إلى أكله بأن لم يوجد من الطعام عند شدة الجوع إلا المحرم فحينئذ يزول التحريم. والقاعدة الشرعية ( الضرورات تبيح المحظورات ) والقاعدة الأخرى ( الضرورة تقدر بقدرها ) فيباح للمضطر ما تزول به الضرورة ويتقى به الهلاك أكثر منه.
وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم أي وإن كثيرا من الناس يضلون غيرهم بأهوائهم الزائغة وشهواتهم الفاسدة من غير علم منهم بصحة ما يقولون، ولا برهان على ما فيه يجادلون، اعتداء لأمر الله ونهيه وطاعة للشياطين، كعمرو بن لحي وقومه الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وأحلوا أكل الميتة، وما أهل به لغير الله بذكر اسم ذلك من نبي أو صنم.
وأصل عبادة الأوثان أنه كان في القوم الذين أرسل إليهم نوح رجال صالحون، فلما ماتوا وضعوا لهم أنصابا ليتذكروهم بها ويقتدوا بهم، ثم صاروا يكرمونها لأجلهم، ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا حكمة وضعها لكنهم حفظوا تكريمها، والتبرك بها، تدينا وتوسلا إلى الله، فكان ذلك عبادة له وتسلسل في الأمم بعدهم، وقد روى البخاري عن ابن عباس : إن المضلين يبنون شبهاتهم على جميع أنواع العبادة التي عبدوا بها غير الله كالتوسل به ودعائه، وطلب الشفاعة منه، وذبح القرابين باسمه، والطواف حول تمثاله أو قبره والتمسح بأركانهما، وكل ذلك شرك في العبادة، شبهته تعظيم المقربين من الله تعالى للتقرب بهم إليه.
وقد انتشرت هذه الشبهات الوثنية في أرباب الكتب الإلهية، وأولوا لأجلها النصوص القطعية وأنكروا تسمية ذلك عبادة، أو أن هذه العبادة إذا كانت لغير الله لجعله واسطة ووسيلة إليه لا تعد شركا به، وما الشرك في العبادة إلا هذا.
إن ربك هو أعلم بالمعتدين أي إن ربك الذي أرشدك وهداك هو أعلم منك ومن سائر خلقه بالمعتدين الذين يتجاوزون ما أحله إلى ما حرمه عليهم، أو يتجاوزون حد الضرورة عند وقوعها. وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى.
وفي الآية إيماء إلى تحريم القول في الدين بالتقليد لأن ذلك من إتباع الأهواء، بغير علم، إذ المقلد غير عالم بما قلد فيه.
تفسير المراغي
المراغي