وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين١١٩ ( الأنعام : آية ١١٩ ).
وفي هذه الآية الكريمة قراءات سبعيات : قرأ نافع وحفص عن عاصم : وقد فصل لكم ما حرم عليم ببناء الفعلين للفاعل.
وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو قرؤوا :{ وقد فصل لكم ما
وقرأ هذا شعبة عن عاصم، وحمزة، والكسائي : وقد فصل لكم ما حرم عليكم ببناء " فصل " للفاعل، و " حرم " للمفعول. فتحصل أنها ثلاث قراءات سبعيات : فصل لكم ما حرم لنافع، وحفص، فصل لكم ما حرم لابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو، فصل لكم ما حرم لحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم.
والجمهور – غير الكوفيين- قرؤوا : وإن كثيرا ليضلون بفتح الياء. وقرأ الكوفيون الثلاثة- أعني : عاصما، وحمزة، والكسائي- وإن كثيرا ليضلون بضم الياء بأهوائهم بغير علم . هذه القراءات في الآية.
ومعنى الآية الكريمة وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( ما ) استفهامية، أي شيء ثبت لكم يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ؟ والاستفهام هنا بمعنى الإنكار، أي : لا يوجد شيء يمنعكم من ذلك. وقال بعض العلماء : هو بمعنى التقرير بأن يقولوا : ليس هنالك شيء يمنعنا مما ذكر اسم الله عليه. وهذا معنى قوله : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه أي شيء ثبت لكم يمنعكم من ذلك ؟ والمعنى : لا شيء يمنع من ذلك، لأنكم ذكيتموه، وذكرتم اسم الله عليه، وفعلتم فيه الطريقة الشرعية التي أمرتم بها، فأي مانع يثبت يمنعكم من أكل هذا ؟ والمعنى : لا مانع منه، وإنما جاء المانع في الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. وهذا معنى قوله : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه أي : والحال أنه حلال كماء المزن، لأن الله فصل لكم ما حرم عليكم، أي : أوضحه وبينه كماء المزن، لأن الله فصل لكم ما حرم عليكم، أي : أوضحه وبينه غاية البيان و الإيضاح، ولم يجعل مما حرم عليكم ما ذبحتموه، وذكيتموه، وسميتم الله عليه، فإذا كان الله فصل لكم ما حرمه عليكم بالتفصيل والبيان، ولم يكن منه أنه حرم ما ذكيتموه، وذكرتم اسم الله عليه، فما لكم ألا تأكلوا منه ؟ لا مانع من الأكل منه.
واعلم أن هذه الآية غلط فيها كثير من المفسرين فقالوا :
فصل لكم ما حرم عليكم فصله بقوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
( المائدة : آية ٣ ) وهذا غلط لا شك فيه، لأن هذه الآية التي نفسرها من سورة الأنعام، وهي من القرآن النازل بمكة بإجماع العلماء، إلا آيات معروفة منها، كقوله : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الآيات( الأنعام : آية ١٥١ )وقوله : وما قدروا الله حق قدره ( الأنعام : آية ٩١ ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ( الأنعام : آية ٩٣ ) فهي آيات معدودة مدنية في سورة مكية، أما جل سورة الأنعام فهي نازلة في مكة قبل الهجرة بلا خلاف بين العلماء، وهي نازلة قبل النحل بلا شك، والنحل من القرآن المكي على التحقيق، وقد دل القرآن في موضعين أن سورة الأنعام نزلت قبل سورة النحل :
أحدهما : قوله في النحل : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ( النحل : آية ١١٨ ) فهذا المحرم المقصوص من قبل المحال عليه هو النازل في سورة الأنعام بالإجماع في قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها ( الأنعام : آية ١٤٦.
الثاني : أن الله قال في سورة الأنعام هذه : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( الأنعام : آية ١٤٨ ) فبين أنهم سيقولونه في المستقبل بدلالة حرف التنفيس الذي هو السين، ثم بين في سورة النحل أن ذلك الموعود به في المستقبل وقع وثبت في سورة النحل حيث قال : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ( النحل : آية ٣٥ ) فدل على أنها بعدها، وإذا كانت سورة الأنعام التي فيها : وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( الأنعام : آية ١١ ) نازلة في مكة قبل الهجرة، وقوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ( المائدة : آية ٣ ) من سورة المائدة نزلت بعد الهجرة في المدينة في آخر ما نزل من القرآن، لأن المائدة من آخر ما نزل من سورة القرآن، وفيها : اليوم أكملت لكم دينكم ( المائدة : آية٣ ) المؤذنة بكمال الدين، وقرب انقضاء الوحي، كيف يكون هذا التفصيل المذكور في الأنعام في سورة المائدة والمائدة لم تنزل إلا بعد ذلك بسنين كثيرة ؟ والتحقيق أن قوله هنا : وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( الأنعام : آية ١١٩ ) أنه هو التفصيل المذكور في سورة الأنعام، لأنها نزلت جملة واحدة، وهذا مما فصله في الأنعام، وهو قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ( الأنعام : آية ١٤٥ ) فقوله : لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ( الأنعام : آية ١٤٥ ) هذا التفصيل للحرام يدل على أن ما ذبحتم، وذكيتموه، وذكرتم اسم الله عليه أنه ليس من المحرم الذي فصل لكم، وهذا معنى قوله : وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( ما ) : موصولة، وهي في محل المفعول، والعائد إلى الصلة المحذوف، والتقدير : وقد فصل لكم ما حرمه عليكم. وعلى قراءة ( حرم ) فالرابط هو ضمير النائب المحذوف أي : ما حرم هو عليكم وهذا معنى قوله : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه جرت العادة في القرآن أن الله ذكر هذه المحرمات الأكل، أنه يستثني منها حالة الضرورة كما قال : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ثم قال : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ( البقرة : آية ١٧٣ ) وقال في النحل : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ١١٥ ( النحل : آية ١١٥ ).
وقال : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ( المائدة : آية ٣ )
وقال هنا : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه يعني : أن هذا الذي حرمه عليكم، وفصل تحريمه، إذا ألجأكم الضرورة إليه فهو حلال عليكم للضرورة، لأن الضرورة تبيح المحظورات.
| ومن يأت الأمور على اضطرار | فليس كمثل آتيها اختيارا |
وقوله : إلا ما اضطررتم إليه يدل على أن هذه المحرمات التي فصلها الله، وبين أنها حرام إذا اضطر الإنسان إليها، وألجأته الضرورة إليها كانت حلالا عليه، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم بعث بالحنيفية السمحة، وسهل له فيها كل التسهيل، ورفعت عنا على لسانه الآصار – وهي أثقال التكليف التي كانت على من قبلنا- وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا الآيات ( البقرة : آية ٢٨٦ ). أن الله قال : " قد فعلت " في رواية ابن عباس عند مسلم، وأن الله قال : " نعم " في رواية أبي هريرة عند مسلم.
ولذا كان من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم أنه يحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع الآصار، والأغلال، وأثقال التكاليف التي كانت على من قبلنا، لأن ذلك من صفاته في الكتب المتقدمة كما يأتي في سورة الأعراف في قوله : النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ( الأعراف : آية ١٥٧ ) والآصار والأغلال هي : الأثقال التي كانت شديدة في التكليف على من قبلنا، لأن من قبلنا ربما إذا أذنب الواحد منهم ذنبا لا تقبل توبته حتى يقدم نفسه للموت والقتل، كما قدمناه في البقرة في قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ( البقرة : آية٥٤ ) وما كانوا تصح صلاتهم إلا في المساجد، ولا تصح صلاتهم إلا بالماء، ولا طهارتهم من الخبث إلا بالماء، فهي آصار، وتكليفات، وأثقال شديدة رفعها الله عنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال : وما جعل عليكم في الدين من حرج ( الحج : آية ٧٨ ) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ( البقرة : آية ٢٨٦ ) فاتقوا الله ما استطعتم ( التغابن : آية ١٦ ) يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( البقرة : آية ١٨٥ ) ونحو ذلك من الآيات، ولذا قال هنا : إلا ما اضطررتم إليه والطاء في قوله : ما اضطررتم إليه أصلها مبدلة من تاء الافتعال، وقد تقرر من فن العربية : أن تاء الافتعال إذا جاء بعد واحد من حروف الإطباق أنه يبدل طاء، والحقيقة أصل مادة هذا الفعل( ضرر ). ففاء المادة : ضاد، وعينها : راء، ولامها : راء. فدخلها تاء الافتعال، كما تقول في قرب : اقترب، وفي كسب : اكتسب، وفي ضرر، اضتر فأبدلت تاء الافتعال طاء، ثم بني الفعل للمفعول وركب للنائب، فقيل : اضطررتم... والمعنى : أن هذه المحرمات التي فصلها الله لنا أن محل تحريمها علينا ما لم تلجئنا إليها ضرورة، فإن ألجأتنا إليها ضرورة فهي حلال لنا.
وقد قدمنا كلام العلماء في قوله غير باغ ولا عاد فالإنسان إذا خاف على نفسه من الهلاك جاز له أكل الميتة إن لم يجد غيرها، وجاز له أكل الخنزير إن لم يجد غيره، وجاز له ما حرم عليه للضرورة. وأعظم الأشياء هو كلمة الكفر إذا ألجيء الإنسان، وأكره عليها، وقالها إكراها، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يؤاخذه الله بها، لأن الله قال كما يأتي في سورة النحل : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله الآية( النحل ) : آية ١٠٦ ) وهذا معنى قوله : إلا ما اضطررتم إليه .
وقوله : وإن كثيرا ليضلون قرأه القراء : وإن كثيرا ليضلون وقرأه الكوفيون : وإن كثيرا ليضلون فعلى قراءة " يضلون " فالفعل لازم لا مفعول له. والمعنى : أنهم يضلون ويذهبون عن طريق الحق. وعلى قراءة الكوفيين " يضلون " فهو متعد للمفعول، والمفعول محذوف. والمعنى : كثيرا من الناس ليضلون الناس عن طريق الحق بأهوائهم. وحذف المفعول إذا دل المقام عليه سائغ أسلوب عربي معروف مشهور.
" بأهوائهم " الأهواء : جمع الهوى، وأصل الهوى :( هوي ) بواو وياء، اجتمع فيه موجبا إعلال فوقع الإعلال في الحرف الأخير الذي هو الياء على القاعدة الأغلبية.
وأصل ( الهوى ) في لغة العرب ميل النفس، وكثيرا ما يطلق على ميلها إلى ما لاينبغي، ورما أطلق نادرا على ميلها لما ينبغي.
والهمزة في قوله :{ " بأهوائهم " مبدلة من الياء، لأن مادة ( الهوى ) مما بسميه الصرفيون " اللفيف المقرون " معتل الواو واللام. والقاعدة المقررة في التصريف : أن كل واو أو ياء تطرفت بعد ألف زائدة وجب إبدالها همزة، فهمزة(
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير