كأن الحق يعلَّم رسوله السؤال والجواب؛ حتى يتعلم الناس من خلال ذلك أن كُلَّ المُلْك لله؛ لأنهم مهما بحثوا عن مالك الكون فلن يجدوا إلا الله، حتى المكذبين منهم قال الحق عنهم: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١].
وعلى الرغم من شركهم بالله لا يقدرون إلا على الإقرار بأن الله هو خالق كل شيء؛ لأن الإنسان قد يغتر بما لذاته من اختيار، لكن عندما ينظر لما يقع على ذاته من اضطرار فهو يعترف فوراً على الإيمان. وقد يختار الإنسان أشياء لكنَّ هناك أحداثاً تقع عليه لا اختيار له فيها وذلك لينبه الحق خلقه أنه فعال لما يريد وأنه يحكم هذا الكون وأن الاختيار ما كان إلاّ ليختبر الإنسان نفسه باتباع تكاليف الله.
والأحداث ثلاثة: حدث يقع عليك، وحدث يقع فيك، وحدث يقع منك. وما يقع عليك ليس لك فيه اختيار، وما يقع فيك لا اختيار لك فيه، ولا يبقى لك إلا ثلث الأحداث وهو ما يقع منك. وأنت محكوم في ذلك بقوسين لا اختيار لك فيهما: قوس الميلاد وقوس الموت، إذن فالأمر كله لله.
ويطمئن الحق خلقه قائلاً: كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة وهو قول ليُطَمِئَن به الحقُّ عباده حتى لا يظن الناس أن الله يعاقبهم دون حساب؛ لأنه الحليم ذو الفضل وهو القائل:
قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [يونس: ٥٨].
ويعفو سبحانه عن الكثير، وباب رحمته وفضله مفتوح ويفسح التوبة لكل عاصٍ. ومن فضل الله أنه جعل بعضاً من الكفار يقفون في بداية الإسلام ضد المسلمين ثم يكونون من بعد ذلك سيوفاً للإسلام، وسبحانه الرحيم الذي يجمعنا للحساب يوم القيامة الذي لا ريب فيه ولا شك، ونسير جميعاً مدفوعين إلى ذلك اليوم ويأتي الكافر على رغم أنفه، والمؤمن يتيقن رحمة الله وفضله ويفرح بلقاء ربه.
والكافر - والعياذ بالله - قد خسر نفسه بعمله مصداقا لقوله الحق: الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وخسران النفس مترتب على عدم الإيمان؛ لأننا لو نظرنا إلى الغايات وإلى الوسائل لوجدنا أن الوسيلة تأتي قبل الغاية، ولكن في التحضير العملي الغاية تتضح قبل الوسيلة؛ فالذي يستذكر إنما يستحضر في ذهنه الغاية وهي النجاح، فيبذل الجهد لينجح؛ لأننا نعلم أن كل شرط هو واقع بين أمرين، بين جواب دافع، وجواب واقع؛ فالنجاح دافع للمذاكرة، والمذاكرة تجعل النجاح واقعاً، ويقول ابن الرومي:
| ألا مَنْ يُرِيني غايتي قَبْلَ مَذْهبي | ومِنْ أين والغايات بعد المذاهبِ؟ |
ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ صفحة رقم 3521
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي