ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قل يا محمد تبكيت للخصم لمن من استفهامية والظرف خبر والمبتدأ ما يعني الأشياء التي هي كائنة في السماوات والأرض يعم العقلاء وغيرهم ولذلك أورد بكلمة ما قل لله تقرير لهم أي هو الله لا خلاف بيننا وبينكم فيه وتنبيه على أنه لا يمكن لأحد أن يجيب بغيره كتب على نفسه يعني التزم ووعد وعدا مؤكدا لا يمكن خلفه الرحمة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لما قضى الله الخلق كتب كتابا هو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي } ١ في رواية بلفظ ( إن رحمتي سبقت غضبي ) رواه البغوي : من حديث أبي هريرة، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن لله مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة من الجن والإنس والبهائم الهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة )٢ رواه مسلم، قلت : لعل المراد بعدد المائة تمثيل التكثير دون تعيين العدد فإن ما عندكم ينفذ وما عند الله باق، كيف وصفات الممكنات متناهية وصفاته تعالى غير متناهية وما أنزل الله من الرحمة، في خلقه وخلقا في قلوبهم إنما هي ظل من ظلال رحمة الله تعالى، وعن عمر بن الخطاب قال : قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسع إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترون هذه الطارحة ولدها في النار ؟ قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال :( الله أرحم بعباده من هذه بولدها ٣ } واعلم أن رحمة الله تعالى منها ما يترتب عليها نعماء الدنيا ومنها ما يترتب عليها نعماء الآخرة لإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة الدالة على التوحيد والموت والبعث بعدها المفضي إلى نعيم الجنان ولقاء الرحمن، والعمدة في الباب والمقصود بالذكر إنما هي التي تعلقت بالآخرة كما بدل عليه ما ذكرنا من الأحاديث ويدل عليه قوله تعالى ليجمعنكم يعني ليجمعن أجزاءكم مبعوثين إلى يوم القيامة الظاهر أن إلى هاهنا بمعنى في أو المعنى ليجمعنكم في القبور ميتين إلى يوم القيامة ويفهم منه التزاما أنه ثم يبعثكم فتصدرون أشتاتا لتروا أعمالكم، والجملة جواب قسم محذوف وهو بدل من الرحمة بدل البعض، وبهذا يظهر أن المقصود إنما هي الرحمة الأخروية ولما كان الكفار مبالغين في إنكار البعث أكده سبحانه بالقسم بعد الإنذار على تكذيب المبلغ الصادق وبيان قدرته عليه بقوله لمن ما في السماوات والأرض وبيان الحكمة في البعث بقوله كتب على نفسه الرحمة لا ريب فيه أي في الجمع أو في اليوم، ولما كان مقتضى الآية عموم رحمة الله تعالى موهما شمولها للكفار، قال : الله تعالى لدفع ذلك التوهم وبيان أن حرمانهم من رحمة الله تعالى بسوء اختيارهم وخسرانهم الذين خسروا أنفسهم بالإشراك حيث ضيعوا رأس مالهم وهو الفطرة السليمة والعقل السليم وفوتوا حظهم من الرحمة واشتروا به العذاب والنقمة الموصول مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون الفاء للدلالة على أن خسرانهم في علم الله تعالى سبب لعدم إيمانهم، وكان القياس العطف على لا ريب فيه، ووجه الفصل تقدير السؤال كأنه قيل : فلم يرتاب الكافرون فأجيب بأن خسرانهم أنفسهم صار سببا لعدم الإيمان، وجاز أن يكون الموصول منصوبا على الذم وكما يدل هذه الآية على شمول رحمة الله تعالى وحرمان الكفار بسوء اختيارهم وخسرانهم، يدل عليه حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شرد البعير على أهله( ٤ رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح.

١ أخرجه البخاري في كتابه: بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه (٣١٩٤) وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٢٧٥١)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٢٧٥٢)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (٥٩٩٩) وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبققت غضبه (٢٧٥٤)..
٤ رواه الطبراني في الأوسط ورواه في الكبير موقوفا على أبي أمامة وإسنادهما حسن. أنظر مجمع الزوائد في كتاب: المناقب، باب فضل الأمة (١٦٧٢٩)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير