ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

تفسير المفردات : كتب على نفسه : أي أوجب إيجاب فضل وكرم.
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في الآية السابقة أصول الدين الثلاثة : التوحيد والبعث والجزاء ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر شبهات الكافرين على الرسالة وبين ما يدحضها، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذبين، وأن عاقبتهم الهلاك والاستئصال والخزي والنكال، تسلية لرسوله صلى الله عليه سلم وتثبيتا لقلبه وإعانة له على المضي في تبليغ رسالته.
ثم ذكر هنا هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر : أسلوب السؤال والجواب، بهرهم فيه بالحجة، ودلهم على واضح المحجة، تفننا في الحجاج في المواضع الهامة، فإن الأدلة إذا تضافرت على مطلوب واحد لها في النفس قبول أيما قبول، وكذلك أساليب الحجاج إذا تنوعت دفعت عن السامع السأم وجعلته ينشط لسماع ما يلقى إليه، فهو إذا لم يعقل الدليل الأول عمي عليه أسلوبه رأى في الدليل الثاني ما ينير طريق المطلوب أو رأى في الأسلوب الثاني ما يكفيه مؤونة البحث في الدليل الأول فهو في غنى بما يكون أمامه عن أن يبحث عن فائت أو يلجأ إلى غائب، ومن ثم نرى الخطباء المفلقين والعلماء المبرزين ينوعون أساليب حجاجهم ويكثرون البرهانات على المطلوب الواحد، ليكون ذلك ادعى إلى الإقناع وأقرب إلى الاقتناع.
الإيضاح : قل لمن ما في السماوات والأرض أي قل أيها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك المعرضين عن دعوتك : لمن هذه المخلوقات علويها وسفليها ؟
وقد كانت العرب تؤمن بأن الله خالق السماوات والأرض وأن كل ما فيهما ملك وعبيد له، كما قال تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [ لقمان : ٢٥ ].
والمقصود من السؤال : التبكيت والتوبيخ.
قل لله هذا تقرير للجواب نيابة عنهم، أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه ولا خلاف بيني وبينكم في ذلك ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا آخر إليه.
وإتيان السائل بالجواب، يحسن إذا كان ما يأتي به هو عين ما يعتقدون المسؤول وما يجيب به إن أجاب، وإنما يسبقه إليه ليبني عليه شيئا من لوازمه مما يجهله المسؤول أو يغفل عنه أو ينكره لجهله أو غفلته عن كونه لازما لما يعرفه ويعتقده.
ثم ذكر من صفاته ما يرغب في طاعته فقال :
كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه أي إن الله الذي تقرون معي بأنه مالك السماوات والأرض قد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه، إذ أفاض عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن مقتضى هذه الرحمة أن يجمعكم إلى يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا شك في مجيئه لوضوح أدلته وسطوع براهينه، للحساب والجزاء على الأعمال، إذ أنه وازع نفسي لا يتم تهذيب النفوس إلا به فهو يمنع الظلم وهضم الحقوق إيذاء الناس وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، خوفا من هول ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها.
ولما كان مقتضى الرحمة والفضل أعم وأسبق من مقتضى العدل كان جزاء الظالمين المسيئين على قدر استحقاقهم، ومنهم من يعفو الله عنه، فالجزاء على الإساءة قد ينقص منه بالعفو والمغفرة ولا يزال فيه، وإنما الزيادة في الجزاء على الإحسان : من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها [ الأنعام : ١٦٠ ].
وبيان الدين لهذا النوع من الجزاء رحمة أيضا، فما إلى مثل الحكومة العادلة تبين للأمة ما تؤاخذ عليه من الأعمال الضارة وما تكافئ به من يصدق في خدمتها ويرقى إلى سماء العزة والكرامة. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي " والمراد بالسبق هنا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال : غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا منه.
والخلاصة : إنه لما قال كتب على نفسه الرحمة، فكأنه قيل وما تلك الرحمة ؟ فقيل : ليجمعنكم إلى يوم القيامة، ذلك أنه لولا خوف العذاب يوم القيامة لحصل الفساد في الأرض واختلت نظم الاجتماع وأكل القوي الضعيف ولا وازع ولا زاجر، فصار التهديد بهذا اليوم من أسباب الرحمة.
الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون خسارة الأنفس : إفساد فطرتها وعدم اهتدائها بما منحها الله من أنواع الهدايات، فالمقلدون خسروا أنفسهم لأنهم حرموها استعمال نعمتي العقل والعلم.
أي أخص هؤلاء الذين خسروا أنفسهم بالتذكير والذم والتوبيخ بين من يجمعون إلى يوم القيامة، إذ هم لخسرانهم أنفسهم في الدنيا لا يؤمنون بالآخرة، فهم قلما ينظرون ويستدلون، وإن هم فعلوا قعد بهم ضعف الإرادة عن احتمال لوم اللائمين واحتقار الأهل والمعاشرين.
والخلاصة : إن الفوز والفلاح في الدين والدنيا لا يتم إلا بالعلم الصحيح والعزيمة الحافزة إلى العمل بالعلم، فمن خسر إحدى الفضيلتين فقد خسر نفسه، فردا كان أو أمة، فما بال من خسرهما معا.


المعنى الجملي : ذكر سبحانه في الآية السابقة أصول الدين الثلاثة : التوحيد والبعث والجزاء ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر شبهات الكافرين على الرسالة وبين ما يدحضها، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذبين، وأن عاقبتهم الهلاك والاستئصال والخزي والنكال، تسلية لرسوله صلى الله عليه سلم وتثبيتا لقلبه وإعانة له على المضي في تبليغ رسالته.
ثم ذكر هنا هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر : أسلوب السؤال والجواب، بهرهم فيه بالحجة، ودلهم على واضح المحجة، تفننا في الحجاج في المواضع الهامة، فإن الأدلة إذا تضافرت على مطلوب واحد لها في النفس قبول أيما قبول، وكذلك أساليب الحجاج إذا تنوعت دفعت عن السامع السأم وجعلته ينشط لسماع ما يلقى إليه، فهو إذا لم يعقل الدليل الأول عمي عليه أسلوبه رأى في الدليل الثاني ما ينير طريق المطلوب أو رأى في الأسلوب الثاني ما يكفيه مؤونة البحث في الدليل الأول فهو في غنى بما يكون أمامه عن أن يبحث عن فائت أو يلجأ إلى غائب، ومن ثم نرى الخطباء المفلقين والعلماء المبرزين ينوعون أساليب حجاجهم ويكثرون البرهانات على المطلوب الواحد، ليكون ذلك ادعى إلى الإقناع وأقرب إلى الاقتناع.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير