(يحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية). (١)
قال أهل المعاني: (والمكذب قد صار صفة ذم، وإن كان يجوز أن يكذب بالباطل فلا يكون ذمًّا؛ لأنه من أصل فاسد، وهو الكذب، فصار الذم أغلب عليه، كما أن الكفر صفة ذم، مع أنه قد يكفر (٢) بالطاغوت؛ لأنه من أصل فاسد، وهو كفر النعمة) (٣).
١٢ - قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قال أهل المعاني: (هذا أمر من الله تعالى لنبيه - ﷺ - بسؤال قومه، وذلك أن السؤال يبعث النفس على طلب الجواب وتبين ما سئل عنه) (٤).
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ قال صاحب النظم: (جاء السؤال والجواب من جهة واحدة، وهو محمول على أنه لما أنزل: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قيل لهم ذلك كما أمر به وأنهم أجابوا وقالوا: فلمن هو؟ فجاء الجواب: قُلْ لِلَّهِ، فهذا جواب عن سؤال مضمر دل عليه الكلام) (٥).
(٢) في (أ): (تكفر) وهو تصحيف.
(٣) لم أقف على من ذكر مثل هذا المعنى، وفي القرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩٥، قال: (والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من كذب بالباطل) ا. هـ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ١٥٤، و"الرازي" ١٢/ ١٦٤.
(٥) ذكره الكرماني في "غرائب التفسير" ١/ ٣٥٤، والسمين في "الدر" ٤/ ٥٤٩، عن صاحب النظم، وهو قول أحمد بن فارس في "الصاحبي" ص ٣٩١، وقال السمين: (هذا قول بعيد؛ لأنهم لم يكونوا يشكون في أنه هو الله، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوسخ، ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك) ا. هـ وأكثرهم على أن قُلْ لِلَّهِ أمر بالجواب عقيب السؤال نيابة عنهم تقريرا لهم وتنبيهًا على أن الجواب متعين بالاتفاق، ولأنه أبلغ في التأثير، وآكد في الحجة. انظر: الطبري في "تفسيره" ٧/ ١٥٤، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٣٠، والزمخشري في "تفسيره" ٢/ ٧، وابن =
وقوله تعالى: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال ابن عباس: (قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين) (١).
وقال أهل المعاني: (٨) أخبر عن عظم ملكه بأن له ما في السموات والأرض ذكر أنه أوجب على نفسه الرحمة؛ تلطفًا في الاستدعاء إلى الإنابة، واستعطافًا للمتولين عنه إلى الإقبال إليه). (٢)
وقوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ، الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام، واللام فيه لام قسم مضمر، كأنه: والله ليجمعنكم (٣)، وجعل الزجاج لَيَجْمَعَنَّكُمْ متصلًا بما قبل فقال في معنى قوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: (الله عز وجل تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم به وإقدامهم على كبائر ما نهى عنه، بأن أنظرهم وعمَّرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كتبه على نفسه الرحمة) (٤). وعلى هذا قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ يكون موضعه [نصبا] (٥) بدلاً من الرَّحْمَةَ، وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وذكر الفراء المذهبين (٦) جميعًا فقال: (إن شئت جعلت
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٤، وابن الجوزي ٣/ ٩.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ١٥٥، و"معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٣١، و"تفسير البغوي" ٣/ ١٣٠.
(٣) أي جواب قسم محذوف، والجملة لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" ٧/ ١٥٧، وابن عطية ٥/ ١٣٩، والسمين في "الدر" ٤/ ٥٥٠، وابن هشام في "المغني" ٢/ ٤٠٧.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٥) لفظ: (نصبا)، ساقط من (أ).
(٦) "معاني الفراء" ١/ ٣٢٨، ونحوه قال الزجاج ٢/ ٢٣٢، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٣٨، و"التبيان" ١/ ٣٢٥، و"الفريد" ٢/ ١٢٥.
الرَّحْمَةَ غاية الكلام ثم استأنفت بعدها لَيَجْمَعَنَّكُمْ، وإن شئت [جعلته] (١) في موضع نصب كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ الآية [الأنعام: ٥٤]. وعلى هذا يكون قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ جوابًا لقوله: كُتِبَ؛ لأنه بمعنى أوجب، والقسم يوجب كما يوجب كُتِبَ، فلما كان معنى قوله: كُتِبَ، مثل معنى القسم حمل الجواب على معنى القسم، قاله الجرجاني (٢).
وقوله تعالى: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [قال الزجاج] (٣): (معناه: ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه، كما تقول: قد جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي: ضممت بينهم في الجمع) (٤).
وقال صاحب النظم: (التأويل: ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، وقوله: إِلَى دليل على معنى التأخير في الجمع إلى هذا اليوم) (٥)، وهذا القول غير ما قال الزجاج في إِلَى.
(٢) لم أقف عليه، وهذا القول هو ظاهر كلام الأخفش في "معانيه" ٢/ ٢٦١، وابن الأنباري في "البيان" ١/ ٣١٥، وانظر: "المشكل" ١/ ٢٤٦، والرازي في "تفسيره" ١٢/ ١٦٥، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩٥، و"البحر" ٤/ ٨٢.
(٣) (قال الزجاج): ساقط من (ش).
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣٢.
(٥) لم أقف عليه. و (إلى) لها عدة معانٍ، كما في "حروف المعاني" للزجاجي ص ٦٥، و"معاني الحروف" للرماني ص ١١٥، و"المغني" لابن هشام ١/ ٧٤، والأظهر هنا قول الجمهور أنها على بابها للغاية، أي: ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى في، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: زائدة. انظر: البغوي في "تفسيره" ٣/ ١٣١، وابن عطية في "تفسيره" ٥/ ١٣٩، والرازي في "تفسيره" ١٢/ ١٦٦، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩٥، و"البحر" ٤/ ٨٢، و"الدر المصون" ٤/ ٥٥٠.
وقوله تعالى: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: بالشرك بالله أوبقوا أنفسهم، وكانوا كمن خسر شيئًا يهلكه. واختلفوا في إعراب الَّذِينَ، فزعم الأخفش (١): (أن موضعه نصب على البدل من الضمير في: لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والمعنى: ليجمعن هؤلاء المشركين الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) (٢).
قال أبو إسحاق: (والذي عندي أن قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في موضع رفع على الابتداء، وخبره: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ؛ لأن قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ مشتمل على الجميع، على الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وغيرهم (٣).
(٢) هنا وقع اضطراب في نسخة (أ) ص ١٠٢ حيث جاء باقي التفسير في ١٠٣ ب.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣٢، وهو اختيار أكثرهم.
انظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٣٨، و"المشكل" ١/ ٢٤٧، و"غرائب الكرماني" ١/ ٣٥٤، و"البيان" ١/ ٣١٥، و"التبيان" ١/ ٣٢٥.
وقال الهمداني في "الفريد" ٢/ ١٢٦: (هذا فيه تأخير السبب وتقديم المسبب، فالأحسن كونه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، والفاء على هذا للعطف) ا. هـ. بتصرف.
وأكثرهم ضعف الوجه الأول؛ لأن القاعدة العامة عند النحاة ألا يبدل مظهر من مضمر بدل كل من غير إحاطة وشمول، وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ مشتمل على سائر الخلق الذين خسروا أنفسهم، فلا وجه لاختصاصه بهم، ولا يقال: رأيتك زيدًا على البدل؛ لأن ضمير المخاطب في غاية الوضوح، فلا حاجة إلى البدل منه، أفاده الهمداني في "الفريد" ٢/ ١٢٦، و"السمين" ٤/ ٥٥١.
وانظر: "الكتاب" ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٩، و"المقتضب" ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٨، و"الأصول" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، و"المقرب" ١/ ٢٤٢، و"البحر" ٤/ ٨٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي