وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون١٢٠ ( الأنعام : آية ١٢٠ ) وذروا ظاهر الإثم وباطنه ( ذروا ) معناه : اتركوا. و( ذر ) بمعنى : اترك. وهذا الفعل – الذي هو ( ذر ) – لم يستعمل منه في لغة العرب إلا الأمر والمضارع، تقول العرب :( ذر ) بمعنى : اترك، و( يذر ) بمعنى : يترك. ولم يستعمل منه ماضي، ولا مصدر، ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا صيغة تفضيل، لم يستعمل منه إلا المضارع والأمر خاصة. ومعنى ( ذر ) : اترك. ومعنى : وذروا ظاهر الإثم اتركوا ظاهر الإثم. وعلماء العربية يقولون : إن الحرف المحذوف في مكان الفاء إنها واو، وإن أصل( ذر ) أن أصل ماضيه ( وذر ) بواو، إلا أن هذه الواو لم تثبت، لأن ( فعل ) إذا كانت مفتوحة العين تحذف فاؤها في المضارع والأمر، ويحذف في المصدر، وذلك إنما ينقاس في ( فعل يفعل ) وأما ( وذر يذر ) فليس مقيسا فيها، إلا أن العرب لم تنطق بالواو ولم تنطق بها إلا في المضارع والأمر. وعلى كل حال ف( ذروا ) معناه : اتركوا.
وقوله : ظاهر الإثم وباطنه الظاهر : كل ما ظهر وعلن. والباطن : كل ما خفى واستتر، والإثم : أصله ضد الطاعة، فكل ما هو خلاف التقوى والطاعة من الوقوع في المعاصي يسمى :( إثما ). وقد قال الشاعر -وصدق- :
| إني رأيت الأمر أعجبه | تقوى الإله وشره الإثم |
واعلموا أن ظاهر الإثم وباطنه فيهما أقوال[... ] ( في هذا الموضع انقطع التسجيل. وللوقوف على الأقوال المشار إليها راجع : القرطبي ( ٧/٧٤ )، ابن كثير ( ٢/١٦٨ ) وقد تم استدراك النقص هنا من كلام الشيخ رحمه الله عند تفسير الآية ( ٣٣ )من سورة الأعراف ).
[ وأنها كلها ترجع إلى شيء واحد، فقال بعضهم : الفواحش الظاهرة هي الزنى مع البغايا ذوات الرايات، والفواحش الباطنة هي الزنى مع الخليلات والصديقات التي يزنى بهن سرا في البيوت. قول بعض العلماء : ما ظهر من الفواحش : كنكاح زوجات الآباء، كما تقدم في قوله :} ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ٢٢ }( النساء : آية ٢٢ ) وأن ما بطن منها هو الزنى.
والتحقيق : أن الآية الكريمة تشمل جميع المعاصي والذنوب، لا تفعلوا شيئا منها ظاهرا علنا بين الناس، ولا شيئا باطنا في خفية لا يطلع عليه أحد، وهو يشمل جميع التفسيرات الواردة عن الصحابة وغيرهم.
والفواحش ظاهرها وباطنها تشمل جميع الذنوب، إلا أن الله عطف بعضها على بعض عطف خاص على عام. وقد تقرر في المعاني : أن عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، إن كان في كل منهما في الخاصة أهمية لا تكون في غيره من أفراد العام أنه سائغ، وأنه من الإطناب المقبول لأجل الخصوصية التي في الخاص. فكأن تميزه بخصوصيته جعله كأنه قسم آخر من أقسام العام فحسن عطفه عليه. وهنا عطف الخاص على العام لأن المعطوفات الآتية كلها داخلة في الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقول من قال : إن ما ظهر هو الزنى مع البغايا ذوات الرايات، و " ما بطن " الزنى مع الخليلات الصديقات التي يزنى بهن سرا. أو : إن " ما ظهر منها " هو نكاح زوجات الآباء، وأن " وما بطن " هو الزنى إلى غير ذلك من الأقوال كله يشمله التفسير العام الذي هو الصواب، وإن الله نهى عن ارتكاب جميع المحرمات سواء كان ذلك ظاهرا أمام الناس، أو خفية لا يطلع عليه الناس ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير