ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

ويقول الحق بعد ذلك :
وذروا ظاهر الإثم وباطنه إنّ الّذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون( ١٢٠ ) :
هذه تقنينات السماء التي تحمي المجتمع من بعضه وذلك في ألا تقع عين أحد على مخالفة من أحد، وإذا وقعت عينك على مخالفة من غيرك تكون المخالفة مما يدرك لكنها ليست كل الفساد في المجتمع ؛ ففساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة لا تقع تحت دائرة الإدراكات. وهناك أشياء تكون في منابع النفس البشرية التي تصدر عنها عوامل النزوع ؛ فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم باطن، والإثم الباطن سابق على الإثم الظاهر. والتقنينات البشرية كلها تحمينا من ظاهر الإثم، ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الإثم وباطن الإثم.
ويوضح لنا الحق الفرق بين تقنين البشر للبشر وتقنين الإله، فسبحانه رقيب على مواجيدكم ووجداناتكم وسرائركم، فإياكم أن تفعلوا باطن الإثم، ولا يكفي أن تحمي نفسك من أن يراك القانون ؛ لأن قصارى ما يعمل القانون أن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها علانية، والفرق بين تشريع السماء وتشريع الأرض أن تشريع الأرض يحمي الناس من ظاهر الإثم، ولكن تشريع السماء يحمي الناس من ظاهر الإثم وباطن الإثم، وباطن الإثم هو أعنف أنواع الإثم في الأرض.
وبعض أهل الاكتساب في الشر برياضتهم على الشر يسهل عليهم فعل الشر وكأنهم يفعلون أمرا قد تعودوا عليه بلا افتعال.
و " كسب " كما نعلم تأتي بالاستعمال العام للخير، و " اكتسب " تأتي للشر لأن الخير يكون فيه الفعل العملي رتيبا مع كل الملكات، ولا افتعال فيها، فمن يريد مثلا أن يشتري من محل ما فهو يذهب إلى المحل في وضح النهار ويشتري. لكن من يريد أن يسرق فهو يرتب للسرقة ترتيبا آخر، وهذا افتعال، لكن الافتعال قد يصبح بكثرة المران والدربة عليه لا يتطلب انفعالا، لأنه قد أضحى لونا من الكسب. و " يكسبون " تدل على الربح ؛ لأن " كسب " تدل على أنك أخذت الأصل والزيادة على الأصل، والإنسان حين يصنع الخير إنما يعطي لنفسه مقومات الحياة ويأخذ أجرا الآخرة زائدا، وهذا هو قمة الكسب.
ويريد الحق سبحانه وتعالى من العبد في حركته أن يحقق لذاته نفعا هو بصدد الحاجة إليه، ولكن الإنسان قد يحقق ما ينفعه وهو بصدد الحاجة إليه، ثم ينشأ من ذلك الفعل ضرر بعد ذلك ؛ لذلك يحمي الله الإنسان المؤمن بالمنهج حتى يميز بين ما يحقق له الغرض الحالي ويحقق نفعا ممتدا ولا يأتي له بالشر وما يحقق له نفعا عاجلا ولكن عاقبته وخيمة ونهايته أليمة، إننا نجد الذين يصنعون السيئات ويميلون للشهوات مثلا يحققون لأنفسهم نفعا مؤقتا، مثل التلميذ الذي لا يلتفت إلى دروسه، والذي ينام ولا يستيقظ، والذي إن أيقظوه وأخرجوه من البيت ذهب ليتسكع في الشوارع، هو في ظاهر الأمر يحقق لنفعه راحة، لكن مآله إلى الفشل. بينما نجد أن من اجتهد وجد وتعب قد حقق لنفسه النفع المستمر الذي لا تعقبه ندامة.
إنّ الّذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون( ١٢٠ ) [ سورة الأنعام ]
ففي الدنيا نجد أن الجزاء من بشر لبشر، ولكن ماذا عن لحظة العرض أمام الله وهو العليم بظاهر الإثم وباطن الإثم ؟.
فالذي يصون المجتمع إذن هو التقنين السماوي، فالمنهج لا يحمي الإنسان ممن حوله فحسب ولكنه يقنن لحركة الإنسان لتكون صحيحة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير