وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ
اشتمل سياق الآيات السابقة لهذه الآيات على وعيد بما أعد الله من العذاب للمجرمين ووعد بالنعيم في دار السلام للمؤمنين في إ ثر بيان أحوالهم وأعمالهم التي استحق بها كل منهما جزاءه. وقفى عليه في هذه الآيات بذكر ما يكون قبل ذلك الجزاء من الحشر وبعض ما يكون في يومه من الحساب وإقامة الحجة على الكفار، وسنة الله في إهلاك الأمم وجعل درجات الجزاء بالعمل.
قال وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ قرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب " يحشرهم " بالياء والباقون " نحشرهم " بنون العظمة. والمعشر الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا وقال في لسان العرب : ومعشر الرجل أهله، والمعشر الجماعة متخالطين كانوا أو غير ذلك. قال ذو الأصبع العدواني :
| وأنتم معشر زيد على مائة | فأجمعوا أمركم طرا فكيدوني(١) |
تكرر في التنزيل مثل هذا التعبير في التذكير بيوم القيامة والإعلام بما يكون فيه من الأهوال والحساب والجزاء كقوله تعالى في سورة يونس : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم ( يونس ٢٨ ) وقوله في سورة الفرقان : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ( الفرقان ١٧ ) الآية وقوله فيها : ويوم تشقق السماء بالغمام ( الفرقان ٢٧ ) الآيات. وقوله في سورة القصص ويوم يناديهم ( القصص ٦٢- ٦٥- ٧٤ ) الآيات وجمهور المفسرين يجعلون كلمة " يوم " في أمثال هذه الآيات مفعولا لفعل محذوف تقديره " واذكر " وهو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي واذكر لهم فيما تتلوه عليهم يوم يكون كذا وكذا. لأن هذا معهود ومعروف عندهم ودليل عليه واذكر في الكتاب إبراهيم ( مريم ٤١ ) وأمثاله بعده.
وبعضهم يجعله ظرفا لفعل مقدر إن لم يوجد بعده ما يصلح أن يكون عاملا فيه مذكورا أو مقدورا ومنه فعل القول المقدر هنا قبل النداء فيقال هنا : ويوم يحشرهم جميعا يقول المعشر الجن منهم يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس. فالضمير في " يحشرهم " للجن والإنس الذين سبق ذكرهم في هذه السورة بقوله : وجعلوا لله شركاء الجن ( الأنعام ١٠٠ ) وقوله : شياطين الإنس والجن ( الأنعام ١١٢ ) وهو أقرب والشياطين هم الأشرار من الفريقين فهم المرادون هنا لأن الخطاب لهم لا لجميع الجن. وفيمن ضل من الإنس بهم لا في جميع الإنس. قال الحافظ ابن كثير : يعني الجن وأولياؤهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم ويطيعونهم ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ( قال ) ومعنى قوله : قد استكثرتم من الإنس أي من إغوائهم وإضلالهم كقوله تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ( يس ٥٩- ٦١ ) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " يا معشر الجن قد استكثر تم من الإنس " يعني أضللتم منهم كثيرا. وكذلك قال مجاهد والحسن وقتادة اه فالاستكثار هنا أخذ الكثير لا طلبه كقولهم استكثر الأمير من الجنود أي أخذ كثيرا وفلان من الطعام أي أكل كثيرا. والمراد أنهم استتبعوهم بسبب إضلالهم إياهم فحشروا معهم لأن المكلفين يحشرون يوم القيامة مع من اتبعوهم في الحق والخير أو في الباطل والشر.
وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أوليائهم هم الذين تولوهم أي أطاعوهم في وسوستهم وما ألقوه إليهم من وحي الغرور، والاستمتاع طلب الشيء لجعله متاعا. أو جعله متاعا بالفعل والمتاع ما ينتفع به انتفاعا طويلا ممتدا وإن كان قليلا لأن أصل معناه الطول والارتفاع أي وقال الذين تولوا الجن من الإنس في جواب الرب تعالى : يا ربنا قد تمتع كل منا بالآخر أي بما كان للجن من اللذة في إغوائنا بالأباطيل وأهواء الأنفس وشهواتها وبما كان لنا في طاعة وسوستهم من اللذة في اتباع الهوى والانغماس في اللذات.
قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس، وقال ابن جرير كان الرجل في الجاهلية ينزل بالأرض فيقول : أعوذ بكبير هذا الوادي فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة اه ونقله ابن كثير عن ابن جرير بلفظ : وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعاذتهم بهم فيقولون قد دنا الإنس والجن ومقتضاه أن المشركين من أهل الجاهلية يظلون يوم القيامة على خرافاتهم التي كانوا عليها في الدنيا إذ كانوا يخافون من الجن في أسفارهم ويستعيذون بعظمائهم من أذى دهمائهم، وهو مستبعد، وأبعد منه اعتذارهم به لله تعالى، وأبعد منهما جعله هو المراد من الآية وهي عامة لجميع من استمتع من الفريقين بالآخر ممن كان يستعيذ بعظماء الجن وسادتهم من شرارهم في الأودية كعرب الجاهلية وممن لا يعرف هذا من مصدق بوجود الجن وإن لم يخف منهم ولم يستعذ بسيد من مسود. ومن مكذب بوجودهم أو غير مصدق ولا مكذب فإن كل إنسي يوسوس له شياطين الجن بما يزين له الباطل والشر ويغريه بالفسق والفجور كما تقدم مفصلا، فإن هذا الخلق الخفي الذي هو من جنس الأرواح البشرية يلابسها بقدر استعدادها للباطل والشر ويقوي فيها داعيتهما كما تلابس جنة الحيوان الخفية الأجساد الحيوانية فتفسد عليها مزاجها وتوقعها في الأمراض والأدواء.
وقد مر على البشر ألوف من السنين وهم يجهلون طرق دخول هذه النسم الحية في أجسامهم وتقوية الاستعداد للأمراض والأدواء فيها بل إحداث الأمراض الوبائية وغيرها بالفعل حتى اكتشفها الأطباء في هذا العصر وعرفوا هذه الطرق والمداخل الخفية بما استحدثوا من المناظير التي تكبر الصغير حتى يرى أكبر مما هو عليه بألوف من الأضعاف. ولو قيل لأكبر أطباء قدماء المصريين أو الهنود أو اليونان أو العرب إن في الأرض أنواعا من النسم الخفية تدخل الأجساد من خرطوم البعوضة أو البرغوث أو القملة ومع الهواء والماء والطعام وتنمي فيها بسرعة عجيبة فتكون ألوف الألوف وبكثرتها تتولد الأمراض والأوبئة القاتلة –لقالوا إن هذا القول من تخيلات المجانين.
ولكن العجب لمن ينكر مثل هذا في الأرواح بعد اكتشاف ذلك في الأجساد وأمر الأرواح أخفى، فعدم وقوفهم على ما يلابسها ألوفا من السنين أولى.
وقد روي في الآثار مما يدل على جنة الأجسام ولو صرح به قبل اختراع هذه المناظر التي يرى بها لكان فتنة لكثير من الناس بما يزيدهم استبعادا بما جاء به الرسل من خبر الجن. ففي الحديث " تنكبوا الغبار فإن منه تكون النسمة " (٢)، والنسمة في اللغة كل ما فيه روح وفسره ابن الأثير في الحديث بالنفس ( بالتحريك ) أي توا تره الذي يسمى الربو والنهيج وتبعه شارح القاموس وغيره، وهو تجوز لا يؤيد الطب ما يدل عليه من الحصر. وروي عن عمرو بن العاص : اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة. وهو بعيد عن تأويلهم وظاهر فيما يقوله الأطباء اليوم وهو مأخوذ من الحديث الذي تأولوه، وعمرو من فصحاء قريش جهابذة هذا اللسان.
بَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا أي وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا ولك الأمر فينا فالمراد من ذكر بلوغ الأجل لازمه وهو إظهار الحسرة والندامة على ما كان من تفريطهم في الدنيا، والاضطرار إلى تفويضهم الأمر إلى الرب جل وعلا. ولم يذكر هنا قولا للمتبوعين من الشياطين، وعلله بعضهم بأن الاقتصار على حكاية كلام الضالين دون المضلين يؤذن بأن المضلين قد أفحموا فلم يتكلموا. والصواب أن الله تعالى يذكر لنا بعض ما يكون يوم القيامة في آي متفرقة من سور متعددة لأن المراد به وهو العظة والاعتبار ينبغي أن يكون متفرقا لما بيناه من حكمته في مواضع من هذا التفسير. وقد قال تعالى في الفريقين ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ( العنكبوت ٢٥ ) وبين في سورة البقرة كيف يتبرأ بعضهم من بعض، وقال بعده كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ( البقرة ١٦٧ ) وحكى في سورة إبراهيم أقوال كل من الضعفاء التابعين من الناس وقول المتكبرين المتبوعين لهم وقول الشيطان للفريقين وتنصله من استحقاق الملام وكفره بما أشركوه.
بعد ما تقدم ينتظر السامع والقارئ جواب الله تعالى لهم وقد بينه قوله : قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ النار اسم لدار الجزاء المعدة للمشركين والمجرمين. والمثوى مكان الثواء والثواء نفسه هو الإقامة والسكنى. والخلود المكث الثابت الطويل غير الموقت كمكث أهل الوطن في بيوتهم المملوكة لهم فيه، أي تثوون فيها ثواء خلود أو مقدرين الخلود موطنين أنفسكم عليه، إلا ما شاء الله تعالى مما يخالف ذلك، فكل شيء بمشيئته وهذا الجزاء يقع باختياره فهو مقيد بها، فإن شاء أن يرفعه كله أو بعضه عنكم أو عن بعضكم فعل، لأن مشيئته نافذة في كل شيء تتعلق به قدرته الكاملة وسلطانه الأعلى. ولكن هل يشاء شيئا من ذلك أم لا ؟ ذلك ما يعلمه هو سبحانه حق العلم وحده ولا يعلمه غيره إلا بإعلامه وإنما تتعلق الإرادة بما يقتضيه العلم والحكمة، وقد بين ذلك بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ أي عليم بما يستحقه كل من الفريقين، حكيم فيما تتعلق به مشيئته من جزائهم المنصوص عليه في كتابه وفي هذا الاستثناء ومدلوله وتأويله وغايته، والبشر لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وإنما تكلم من تكلم في الاستثناء هنا وفي سورة هود بالتأويل للآيات الواردة في الجزاء والجمع بينها للجزم بأن الاختلاف والتعارض في كتاب الله تعالى محال. وكذا تأويل ما ورد في الأحاديث المبينة لما أنزله تعالى، ومنها أحاديث سبق الرحمة وغلبها على الغضب وسعتها لكل شيء وعمومها.
أما ما ورد في التفسير المأثور في الاستثناء هنا فيؤيد ما جرينا عليه من تفويض الأمر فيه إلى الله تعالى وعدم الحكم على مشيئته في هذا الأمر الغيبي وهو ما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن هذه الآية
٢ ورواه ابن كثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٥/ ٤٩..
تفسير المنار
رشيد رضا