يقول الله جل وعلا : ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ١٢٨ ( الأنعام : آية ١٢٨ ).
قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا حفصا عن عاصم : وويوم نحشرهم جميعا وقرأه حفص – وحده- عن عاصام : ويوم يحشرهم جميعا بالياء التحتية.
أما قراءة الجمهور ففاعل الفعل ضمير محذوف تقديره : نحن. أي : نحشرهم نحن. وصيغة الجمع في ( نحشرهم ) وفي ( نحن ) للتعظيم، كقوله : إنا نحن نزلنا الذكر ( الحجر : آية ٩ ) إنا نحن نحيي الموتى ( يس : آية ١٢ ) وهو جل وعلا واحد إلا أنه يعبر عن نفسه بصيغة الجمع، لأجل التعظيم والتجليل. وعلى قراءة حفص : ويوم يحشرهم فالفاعل ضمير يرجع إلى الله. ( يحشرهم ) هو. أي : الله.
وقوله هنا : ويوم نحشرهم قال بعض العلماء : هو منصوب ب ( اذكر ) مقدرا، أي : اذكر يوم نحشرهم. وقال بعض العلماء : هو منصوب بالقول المحذوف الذي دل عليه المقام. والمعنى : ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن ، أي : يا معشر الجن قد استكثرتم. نقول ذلك القول : يوم يحشرهم جميعا
والحشر في لغة العرب معناه : الجمع. وكل شيء قد جمعته فقد حشرته. ومنه قول قوم فرعون لفرعون : وأرسل في المدائن حاشرين ( الأعراف : آية ١١١ ) وابعث في المدائن حاشرين ( الشعراء : آية ٣٦ ) أي : قوما العرب : الجمع، لأن الله يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين، إنسهم وجنهم، في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال : يوم يجمعكم ليوم الجمع ( التغابن : آية ٩ ) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم ( النساء : آية ٨٧ ) قل إن الأولين والآخرين ٤٩ لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ٥٠ ( الواقعة : الآيتان ٤٩-٥٠ ) فحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ( الكهف : آية ٤٧ ) والمعنى : يقول الله جل وعلا يا معشر الجن قد استكثرتم ( الأنعام : آية ١٢٨ ) يقول ذلك القول حين يحشرهم جميعا.
وقد بين الله في هذه السورة الكريمة – سورة الأنعام – انه يحشر جميع المخلوقات مما يدب على رجلين، ومما يطير في السماء، وسائر المخلوقات كما تقدم في قوله : وما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ٣٨ ( الأنعام : آية ٣٨ ) فبين أنه يحشر كل دابة وكل طير – جل وعلا -، والذي يجازى من هذا إنما هو الثقلان : الإنس والجن.
وقوله : نحشرهم : نجمعهم جميعا يوم القيامة بعد أن نخرجهم من قبورهم أحياء يمشون بعد أن كانوا عظاما رميما.
وقوله : جميعا يعرب حالا، ومعناه : التوكيد، بدليل أنك لو حذفت التنوين وأضفته لكان توكيدا محضا، لو قلت : " نحشرهم حميعهم "، لكان توكيدا، فلما حذفت الإضافة أعرب حالا ومعناه التوكيد. أي : نحشرهم في حال كونهم مجتمعين فلم يشذ منهم أحد.
ثم نقول فسره بعض العلماء :( يقال ). قال : لأن الله ليس هو القائل، لأن كفرة الإنس لا يكلمهم الله، لأن الله يقول عن الكفار : ولا يكلمهم .
والتحقيق : أن الله يكلم الكفار كلام توبيخ وتقريع، الذي هو من جنس العذاب، وكقوله لما قالوا : أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ١٠٧ قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ١٠٨ ( المؤمنون : الآيتان ١٠٧-١٠٨ } لأن هذا التكليم لهم ليس تكليم تشريف، إنما هو تكليم توبيخ وتقريع، وهو من أنواع عذابه لهم، ولا مانع منه.
يقول الله ذلك اليوم مخاطبا عتاة الشياطين الذين أضلوا بني آدم حتى أغووهم وأدخلوهم النار : يا معشر الجن المعشر في لغة العرب : الجماعة، كل جماعة تسمى معشرا، ويجمع على : معاشر. كان بعضهم يقول : لأن بعضهم يعاشر بعضا. وقد يطلق المعشر على الجماعة المتفقين في نحلة أو ناحية وإن لم يعاشر بعضهم بعضا، كما في الحديث :" إنا معاشر الأنبياء لا نورث " والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك منهم أحدا، ولم يعاشر منهم أحدا.
والحاصل أن المعشر : الجماعة، أي : يا جماعة الجن.
وأصل ( الجن ) مشتق من الاجتنان، وكل ما يخفى عنك ويجتن فهو مجنون عنك، أي : مغيب. ومنه : جن عليه الليل، وقيل للجنين :( جنين ) لأن بطن أمه يجنن، ومنه سمى المجنون ( مجنونا ) لغيبوبة عقله. وبعضهم قال : تسمى العرب الملائكة ( جنا )، لأنهم محجوبون عن الأبصار، وهو أحد التفسيرين في قوله : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ( الصافات : آية ١٥٨ ) والعرب تعرف ذلك، ومنه قول الأعشى يمدح سليمان :
| وسخر من جن الملائك تسعة | قياما لديه يعملون بلا أجر. |
وهذه الآيات يبينها الله لنا في دار الدنيا لنحذر من أن تكون الشياطين تستهوينا وتضلنا لتدخلنا النار، وقد بين القرآن أن هذا العدد الكثير من الإنس الذي أضلتهم شياطين الجن الذين قال الله فيهم : يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس ( الأنعام : آية ١٢٨ ) أن منهم الذين يتبعون تشريع الشيطان، ويحيدون عن تشريع الله فيتبعون ما نظمه الشيطان من النظم على ألسنة أوليائه، صرح القرآن بأن هؤلاء داخلون في هذا الاستكثار وما أكثرهم، لأن الله يقول في السورة الكريمة – وكل سورة من القرآن كريمة- أعني سورة يس : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ( يس : آية ٦٠ ) ومعنى عبادتهم للشيطان ليست أنهم سجدوا للشيطان، ولا ركعوا للشيطان، ولا صاموا للشيطان، ولا حجوا للشيطان، وإنما عبادتهم للشيطان : هي اتباعهم ما شرعه من النظم على ألسنة أوليائه، كما قدمنا في قوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ثم قال : وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون ( الأنعام : آية ١٢١ ) فالله – مثلا – يقول : إن الميتة حرام ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( الأنعام : آية ١٢١ ) فالميتة حرام إنما حرم عليكم الميتة ( البقرة : آية ١٧٣ ) هذا من تشريع الله الذي شرعه على لسان نبيه. فيأتي الشيطان فيشرع نظاما آخر غير هذا ويقول : ما قتله الله بيده الكريمة بسكين من ذهب أحل وأكرم مما قتله الإنسان بيده ؟ فالميتة ذبيحة الله، وهي أحل من ذبيحة الناس ! فهذا تشريع إبليس على ألسنة أولياء إبليس، فصرح الله بأن من اتبع تشريع إبليس وقال : بأن الميتة حلال : أنه مشرك الله، وهو قوله : وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون ( الأنعام : آية١٢١ ) وهذا الشرك بالله هو عبادة الشيطان التي نهى الله عنها في ( يس ) في قوله : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان وليس المراد بعبادته أنهم يسجدون له ويركعون، لا، وإنما بطاعته فيما شرع، واتباعه في نظمه وقوانينه، ثم بين أن الذين يتبعون ذلك من هذا الاستكثار المذكور في ( الأنعام ) حيث قال في ( يس ) : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أي : ومنهم الذين عبدوه باتباع نظامه وشرعه وقانونه أفلم تكونوا تعقلون فتتركون تشريع خالق السموات والأرض إلى عبادة الشيطان باتباع نظامه وقانونه، ثم بين مصير هؤلاء فقال : هذه جهنم التي كنتم توعدون ٦٣ أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ٦٤ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ٦٥ ( يس : الآيات ٦٠-٦٢-٦٥ ) هؤلاء عابدي الشيطان باتباع تشريعه، وشرع الشيطان، وقانون الشيطان الذي شرعه من عبادة الأوثان، ومعاصاة الرسل. فليعلم كل إنسان أن للشيطان مذهبا وقانونا وشرعا وضعه على ألسنة أوليائه من مردة الإنس، ولخالق السماوات والأرض نظاما وشرعا : نورا منزلا من السماء شرعه على ألسنة أوليائه إلى تشريع الشيطان الذي شرعه على ألسنة أو ليائه داخلون في قوله : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ( الأنعام : آية ١٢٨ ) وداخلون في قوله : ولقد أضل منكم جبلا أفلم تكونوا تعقلون٦٢ ( يس : آية ٦٢ ) سواء سموا ذلك قانونا، أو سموه نظاما، أو تشريعا، لأن خالق السماوات والأرض لا يقبل أن يعبد إلا بما شرع، لأن ملك الملوك لا يقبل غير شرعه وتشريعه، كما قال : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( الشورى : آية ٢١ ) قل أرئيتم ما أنزل لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ٥٩ ( يونس : آية ٥٩ ) فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، وكل من يتبع نظاما شيطانيا وضعه الشيطان على مردة شياطين الإنس من أوليائه فإنه يوم القيامة صائر إلى النار، داخل في قوله : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ( يس : آية ٦٢ ) وفي قوله : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ( الأنعام : آية ١٢٨ ).
والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه، فإنه لما قال له : يا نبي الله : قول الله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ( التوبة : آية ٣١ ) كيف اتخذوهم أرباب ؟ قال : ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم ؟ قال : بلى. قال : بذلك اتخذوهم أربابا. وذلك هو عبادتهم إياهم. فكل تشريع غير تشريع الله، وكل نظام غير نظام السماء الذي يمشي عليه كأنه يقول : تشريع خالق السموات والأرض أفضل منه تشريع غيره ! فهو ينزل درجة الخالق – جل وعلا، سبحانه عن ذلك وتعالى علوا كبيرا – إلى أن أوضاعا ملفقة من أذهان الكفرة الفجرة الخنازير أنه أحسن من تشريع الله ! ولذا يعدلون عن نور القرآن والسنة النبوية الصحيحة إلى ما يسمونه قانونا ونظاما وضعه أبناء الكلاب القردة الخنازير من اجتهاداتهم، تارة يحرمون ما أحل الله صريحا، ويحللون ما حرم الله صريحا، يزعمون أن الهدى في هذا ! هذا – والعياذ بالله – من أشنع الكفر والطغيان على الله، والتمرد على نظام السماء، واحتقار الخالق – جل وعلا - حيث كان تشريعه لا ينفع، وتشريع غيره من سفلة الخنازير أحسن من تشريعه ! وهذا إنما وقع – والعياذ بالله – بسبب طمس البصيرة، لأن نور البصيرة إذا طمس من قلب الإنسان صار يرى الباطل حقا، والحق باطلا، والحسن قبيحا، والقبيح حسنا، والذين يعدلون عن نور الله يطلبون النور في تشريع المخلوقين هم في الحقيقة – بالكلمة التي هي بمعنى الحرف الصحيح – هم خفافيش البصائر، أعماهم ضوء القرآن فصاروا يطلبون الضياء في ظلام أفكار الكفرة الفجرة.
| خفافيش أعماها النهار بضوئه | ووافقها قطع من الليل مظلم |
| مثل النهار يزيد أبصار الورى | نورا ويعمى أعين الخفاش |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير