ويوم يحشرهم جميعا يا معاشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [ الأنعام : ١٢٨ ].
تفسير المفردات : المعشر والنفر والقوم والرهط : الجمع من الرجال فحسب، ولا واحد لها من لفظها، وقال الليث : المعشر كل جماعة أمرهم واحد نحو معشر المسلمين ومعشر الكافرين، ويطلق على الإنس والجن بدليل الآية، واستكثر : أخذ الكثير، يقال استكثر من الطعام : أكل كثيرا، وأولياؤهم : هم الذين تولوهم أي أطاعوهم في وسوستهم وما ألقوه إليهم من الخرافات والأوهام، والاستمتاع بالشيء : جعله متاعا، والمتاع ما ينتفع به انتفاعا طويلا ممتدا وإن كان قليلا، وبلغنا أجلنا : أي وصلنا يوم البعث والجزاء، والمثوى : مكان الثواء، أي الإقامة والسكنى، والخلود : المكث الطويل غير المؤقت بوقت.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما أعده من العذاب للمجرمين، وما أعده من الثواب والنعيم في دار السلام للمؤمنين، إثر بيان أحوالهم وأعمالهم التي استحق بها كل منهما جزاءه.
قفى على ذلك بذكر ما يكون قبل هذا الجزاء من الحشر وبعض ما يكون في يومه من الحساب، وإقامة الحجة على الكفار، وسنة الله في إهلاك الأمم.
الإيضاح : ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس أي ويوم يحشر الله تعالى الإنس والجن جميعا يقول لمعشر الجن منهم : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس أي استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين٦٠ وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم٦١ ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون [ يس : ٦٠ ٦٢ ].
والمراد أنهم استتبعوهم بسبب إضلالهم إياهم فحشروا معهم، لأن المكلفين يحشرون يوم القيامة مع من اتبعوهم في الحق والخير، أو في الباطل والشر.
وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض أي وقال الذين تولوا الجن من الإنس في جواب الرب تعالى : ربنا تمتع كل منا بالآخر بما كان للجن من اللذة في إغوائنا بالأباطيل وأهواء الأنفس وشهوتها، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذة في إتباع الهوى والانغماس في اللذات، قال الحسن البصري : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس اه.
وفي الآية إيماء إلى أن كل إنسي يوسوس له شيطان من الجن بما يزين له من الباطل وبما يغريه من الفسق والفجور.
فهذا الخلق الخفي الذي هو من جنس الأرواح الشريرة يلابسها بقدر استعدادها للباطل والشر ويقوي فيها داعيتهما كما تلابس جنة الحيوان الخفية ( الميكروبات ) الأجساد الحيوانية فتفسد مزاجها وتصيبها بالأمراض والأدواء، فقد أثبت الطب الحديث دخول النسم ( النسم لغة : كل ما فيه روح ) الحية ( الميكروبات ) في الأجسام، وعرفت الطرق والمداخل الخفية لدخولها بما استحدث من المناظير ( الميكروسكوبات ) التي تكبر الصغير حتى يرى أكبر من حقيقته بألوف الأضعاف، فأمكن أن نعرف أن في الأرض أنواعا من النسم الخفية تدخل الأجسام من خراطيم البراغيث أو البعوض أو القمل، أو مع الماء والطعام، وتنمو فيها بسرعة مدهشة فتولد ألوف الألوف، ومتى تكاثرت ولدت الأمراض والأوبئة القاتلة، ولو كان قد قيل : مثل هذا لأكبر أطباء المصريين القدامى أو للهنود أو اليونان أو العرب لعدوه نوعا من الشعوذة والسحر أو ضربا من التخيل والجنون.
وإذا كان هذا الاتصال الخفي قد ثبت في الأجساد بعد آلاف السنين فلا عجب أن يثبت مثل ذلك في الأرواح، وأمرها أخفى من الأجساد، والكتابة والسنة مليئان بهذا، فقد جاء في الحديث ما يدل على وجود هذه الجراثيم ( الميكروبات ) التي لم يثبتها الطب إلا حديثا، وكفى بهذا معجزة لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ودلالة على أن الله أوحى إليه بنظريات لم يثبتها العلم إلا بعد ذلك بأربعة عشر قرنا، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( تنكبوا الغبار فإن منه تكون النسمة ) وقال عمرو بن العاص : اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة، ولو أن هذا الأثر قيل لغير المتمدينين وفسر لهم هذا التفسير قبل اختراع المناظير لكان فتنة للناس وزادهم نفورا مما جاء به الرسول، ولكن في كل يوم يثبت العلم نظريات جديدة تكون نعم العون على صدق ما جاء به الرسول، وتلقي نورا على الناس ينظرون به تلك الدرر الغوالي المبثوثة في القرآن والحديث وآثار الصدر الأول من المسلمين.
وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أي ووصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكم فينا بما تشاء وأنت الحكم العدل.
ومقصدهم من هذا الإخبار : إظهار الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا وتفويض الأمر إلى ربهم العليم بحالهم، ولم يذكر هنا قول المتبوعين من الشياطين وحكاه في آي أخرى فقال في الفريقين يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [ العنكبوت : ٢٥ ] وكما ذكر في سورة البقرة كيف يتبرأ بعضهم في بعض، وحكى في سورة إبراهيم أقوال كل من الضعفاء التابعين من الناس وأقوال المتكبرين المتبوعين وقول الشيطان للفريقين وتنصله من استحقاق الملام وكفره بما أشركوا.
قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله أي قال الله تعالى ردا عليهم : النار منزلكم وموضع إقامتكم إقامة خلود إلا ما يشاء الله مما يخالفه ذلك، فكل شيء بمشيئته واختياره، فإن شاء أن يرفعه كله أو بعضه عنكم أو عن بعضكم فعل، فله السلطان الكامل والنفوذ الأعلى، ولكن هل يشاء ذلك ؟ هذا مما يتعلق بعلمه وحده ولا يعلمه غيره إلا بإعلامه.
إن ربك حكيم عليم أي إنه تعالى حكيم فيما يتعلق به مشيئته من الجزاء الذي نص عليه في كتابه، عليم بما يستحقه كل من الفريقين، والبشر لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
روى ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا.
تفسير المراغي
المراغي