يَا مَعْشَرَ الجن والإنس شروعٌ في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشَرَين وتقريعِهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسِهم إثرَ حكايةِ توبيخِ معشر الجنِّ بإغواء الإنسِ وإضلالِهم وبيانِ مآلِ أمرِهم أَلَمْ يَأْتِكُمْ أي في الدنيا رُسُلُ أيْ مِنْ عندِ الله عز وجل ولكن لا على أن يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدة من الأمم بل على أن يأتي كلَّ أمة رسولٌ خاصٌّ بها أي ألم يأتِ كلَّ أمة منكم رسولٌ معين وقوله تعالى مّنكُمْ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإنس خاصةً وإنما جُعلوا منهما إما لتأكيد وجوبِ اتباعِهم والإيذانِ بتقاربهما ذاتاً واتحادِهما تكليفاً وخطاباً كأنّهما جنسٌ واحد ولذلك تمكن أحدُهما من إضلال الآخَر وإما لأن المرادَ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسلِ وقد ثبت أن الجن قد استمعوا القرآن وأنذروا به قومَهم حيث نطق به قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً من الجن يستمعون الرقآن
صفحة رقم 185
الأنعام آية ١٣١
إلى قوله تعالى وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ وقوله تعالى يقصون عليكم آياتي صفةٌ أخرى لرسلٌ محققةٌ لما هو المرادُ من إرسال الرسل من التبليغ والإنذارِ وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين وَيُنذِرُونَكُمْ بما هو في تضاعيفها من القوارع لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا يومِ الحشرِ الذي قد عاينوا فيه ما أُعدَّ لهم من أفانين العقوباتِ الهائلة قالوا استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابقِ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخِ الشديد فقيل قالوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا أي بإتيان الرسلِ وإنذارِهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب المخلّد حسبما فصل ي حكاية جوابِهم عن سؤال خَزَنةِ النار حيث قالوا بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ وقد أجمل ههنا في الحكاية كما أُجمل في حكاية جوابِهم حيث قالوا بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين وقوله تعالى وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا معَ ما عُطف عليه اعتراضٌ لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ارتكبوها وألجأهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذابِ وذمٌّ لهم بذلك أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئةِ واللذات الخسيسةِ الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل واجترءوا على ارتكاب ما يجُرّهم إلى العذاب المؤبَّد الذي أنذروهم إياه وَشَهِدُواْ في الآخرة عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ في الدُّنيا كافرين أي بالآيات والنذر التي أتى بها الرسلُ على التفصيل المذكورِ آنفاً واضطُرّوا إلى الاستسلام لأشد العذابِ كما ينبىء عنه ما حُكيَ عنُهم بقولِه تعالى وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير وفيه من تحسيرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعِهم ما لا مزيدَ عليه
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي