يا معشر الجن والإنس ألم يأتيكم رسل منكم يقصون عليكم آيتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين١٣٠ ( الأنعام : الآية ١٣٠ ).
هنا يقال لهم يوم القيامة، يقال لأهل النار يوم القيامة من الجن والإنس : يا معشر الجن والإنس يا جماعة الجن والإنس، الذين طغيتم وكفرتم في دار الدنيا حتى دخلتم النار، وقيل لكم : النار مثواكم خالدين فيها ( الأنعام : الآية ١٢٨ ) ألم تصلكم في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة رسل ينذرونكم من هذا اليوم، ويحذرونكم من العذاب أنتم فيه، ويبينون لكم طرق النجاة من هذا قبل أن تضيع الفرصة، فتكونوا قد حذرتم هذا العذاب، ونجوتم مع من نجى ؟ وهذا معنى قوله : يا معشر الجن والإنس ألم يأتيكم رسل منكم . قال بعض علماء التفسير : كل فعل مضارع في القرآن مجزوم ب( لم ) إذا تقدمته همزة الاستفهام، فيه وجهان معروفان من التفسير في جميع القرآن :
أحدهما : أن الاستفهام استفهام تقرير، وهو الظاهر في هذه الآية. ومعنى استفهام التقرير : هو الاستفهام الذي لا يريد المخاطب به أن يفهم الشيء، وإنما يريد أن يحمل المخاطب على أن يقر ويقول : بلى، ويقر بالحقيقة، كقول جرير لعبد الملك بن مروان :
| ألستم خير من ركب المطايا | وأندى العالمين بطون راح |
الثاني : أن يختلج المضارعة ماضوية، وينقلب النفي إثباتا، فيصير المضارع المنفي ب( لم ) معناه الماضي المثبت، كقوله : ألم نشرح لك صدرك ١ ( الانشراح : الآية ١ ) معناه : شرحنا لك صدرك، وقوله : ألم نجعل لك عينين٨ ( البلد : الآية ٨ ) جعلنا له عينين، ألم يأتيكم رسل منكم أتاكم رسل منكم. وطالب العلم يعرف أن انقلاب المضارعة ماضوية أنه هنا واضح لا إشكال فيه، لأن لفظة ( لم ) حرف قلب، تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي. وهذا معروف، كقولك :" لم يأت زيد " بمعنى : ما جاء زيد في الماضي. وهذا معروف، فقلب المضارع ماضويا ظاهر، ولكن قلب النفي إثباتا هو الذي يشكل على طالب العلم، وإيضاحه على هذا التفسير : أن همزة الاستنكار المتقدمة على حرف( لم ) أصلها حرف إنكار، فهو مشتمل على معنى النفي الصريح في ( لم ) فينفيه، ونفي النفي إثبات، ويرجع النفي إلى إثبات، والمضارعة إلى الماضوية. ومعنى القولين واحد.
ومعنى : ألم يأتكم يجئكم في دار الدنيا رسل منكم. الرسل : جمع الرسول، والرسول : بمعنى ( مفعل ) والمراد بهم هنا : من أرسله الله، فالرسول- طبعا- يكون من الإنس، ومن الملائكة، كما سيأتي في قوله : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ( الحج : الآية ٧٥ ) أما الجن فسنذكر الخلاف فيهم – الآن- المعروف عند العلماء، فالرسل : جمع رسول، وهو( فعول ) بمعنى( مفعل ) أي : مرسل، وأصله مصدر، وإتيان المصادر على ( فعول ) قليل جدا، كالرسول، فأصله من معنى الرسالة، وكالقبول، والولوع، وكون الرسول أصله مصدر فيه فوائد، تفيد في التفسير، لأن أصل الرسول مصدر، تقول العرب :" أرسلته رسولا " أي : رسالة. و " ما أرسلته برسول " أي : برسالة : فأصله : مصدر، ومنه قول الشاعر :
| لقد كذب الواشون ما فهت عندهم | بقول ولا أرسلتهم برسول |
| ألكني إليها وخير الر | سول أعلمهم بنواحي الخبر |
وقوله : ألم يأتيكم رسل منكم ظاهر قوله : منكم أن من الإنس رسلا ومن الجن رسلا، ، هذا هو المتبادر من الآية، ولأجل هذا الظاهر تمسك قوم قليلون بأن الله بعث من الجن رسلا إلى الجن. وزعم بعضهم أنه ما أرسل للجن منهم إلا رسولا واحدا، واسمه يوسف. والذي عليه جماهير العلماء، خلفا وسلفا، أن الرسل جميعهم إنما هم من الإنس، وإنما قال : رسل منكم لمجموع الإنس والجن، نظرا إلى أن العرب تطلق المجموع وتريد بعضه. أي : من مجموعكم الصادق بالإنس دون الجن. وهو كثير في القرآن، وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا١٥ وجعل القمر فيهن نورا ( نوح : الآيتان ١٥-١٦ ) أي : في مجموعهن الصادق بواحدة منها. وأظهر الآيات الدالة عليه في القرآن قراءة حمزة، والكسائي : ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم ( البقرة : الآية ١٩١ ) لأن المراد هنا : بأنه لا يصح ان تقول :" فإن قتلوكم ومتم وخرجتم من الدنيا، فاقتلوهم " ( في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفتين[ ] زيادة يتم بها الكلام )[ وعلى هذا المعنى يحمل قول الشاعر :
| فإن تقتلونا عند حرة واقم | فلسنا على الإسلام أول من قتل ] |
وجمع بعض العلماء بين القولين فقال : رسل الإنس هم الذين يرسلهم الله بواسطة الملك، ورسل الجن هم الذين ينذرون قومهم بما سمعوا من الأنبياء، فهم رسل الرسل/ ولذا أطلق عليهم( الرسل ) هنا. ويطلق عليهم ( النذر ) كما يأتي في قوله : وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ٢٩ ( الأحقاف : الآية ٢٩ ) فالنذر كأنهم جاؤوهم منذرين مرسلين من النبي صلى الله عليه وسلم وكادوا يكونون عليه لبدا، وأنه دعاهم إلى الإسلام، وعلمهم الدين، وأمرهم ان يبلغوا قومهم. ومن هنا قال جمهور العلماء : الرسل من الإنس، والجن ليسوا برسل[ وإنما يكون لهم نذر ] ( في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) إلى قومهم، كما قال : ولوا إلى قومهم منذرين .
وقد أجمع جميع المسلمين أن نبينا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والإنس معا، وأنه بلغ الرسالة لمن استطاع أن يبلغه من الجنسين، وأمر كلا منهم أن يبلغ من لقي، وقال :" فليبلغ الشاهد الغائب "، وقد يأتي صريحا في سورة الرحمان لما قرأ على الجن سورة الرحمان، وقال : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ( الرحمن : الآية ٣٣ ) كلما قال : فبأي آلاء ربكما تكذبان٣٢ ( الرحمان : الآية ٣٢ ) والتثنية للجن والإنس، والجن يقولون : ولا شيء من آلاء ربنا نكذب. وذكر الله كثيرا من قصصهم في سورة الجن، وبين أنهم ما كانوا يظنون أن الله يمكن أحدا أن يفتري عليه، قالوا : وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا٥ ( الجن : الآية ٥ )وبينوا أن منهم طيبين وخبثاء : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا١١ ( الجن : الآية ١١ ) وتحصل أن قوله : ألم يأتكم رسل منكم جمهور العلماء على أن الرسل كلهم من الإنس، وأنه أطلق المجموع مرادا بعضه، لا أن الجن رسل أرسلوا إلى قومهم. وخالف بعض قليل من أهل العلم وقالوا : أرسلت للجن رسل منهم لظاهر هذه الآية الكريمة، قالوا : ولأن كون الرسل منهم أدرى بأحوالهم، وأقدر على تبليغهم، وذلك ليس قاطع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جن نصيبين تكلم معهم، وخاطبوه في كل ما يفيد، وأباح لهم ما أباح لهم من الزاد، كما هو معروف في الأحاديث الصحيحة، ودعاهم إلى الإسلام.
وهذا معنى قوله : ألم يأتكم رسل منكم .
يقصون عليكم آياتي معنى : يقصون عليكم آياتي أي : يقرؤون عليكم آياتي التي أنزلت، ويبينون لكم ما فيها من العقائد، ومن الحلال والحرام، ومما أمرت به وبينت أنه يدخل الجنة، ومما بينت في آياتي أنه سبب لدخول النار- وهي التي أنتم فيها- وحذرت جميعكم على ألسنة الرسل من ذلك الفعل الذي يكون سببا لدخولها.
وقد أجمع جميع العلماء على أن الكفرة من الجن في النار، هذا لا نزاع فيه بين العلماء، والآيات الدالة عليه كثيرة في القرآن العظيم، كقوله جل وعلا : قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ( الأعراف : الآية ٣٨ ) فصرح بأن أمما منهم كثيرة في النار في آيات كثيرة وقالو لقومهم : إنهم إن لم يجيبوا داعي الله يعذبهم : يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم إلى أن قال : ويجركم من عذاب أليم ( الأحقاف : الآية ٣١ ) فلا خلاف أن الجن يعذب كافرهم وعاصيهم، كما يعذب كافر الإنس وعاصيهم، وإنما الخلاف المشهور بين العلماء : هل الجن يدخلون الجنة أولا يدخلون الجنة ؟ ؟ وهذا خلاف معروف قديم بين العلماء، ويروى عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه من الطائفة الذين يقولون : لا يدخل الجن الجنة، وأن الجنة لا يدخلها أحد من الجن. وغالب ما استدل به هؤلاء : أن الله جعل جزاءهم هو الإجارة من العذاب فقط، وغفران الذنوب فقط، حيث قال : أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ( الأحقاف : الآية ٣١ ) ولم يقل : ويدخلكم الجنة. بخلاف الإنس، فإنه إذا ذكر ثواب الطاعة تذكر الجنة جزاء لها، ولم يذكر الله في القرآن جزاء للجن إلا غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم. ومن هنا قال من قال : إن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة.
والتحقيق الذي عليه جمهور العلماء : أنهم كما أن كافرهم في النار فمؤمنهم المطيع في الجنة، وقد دلت على هذا بعض ظواهر آيات، ومنها قوله تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ( الرحمان : الآية ٥٦ ) فعلم أن في الجنة جانا يطمثون النساء، ومن أصرح الأدلة في ذلك : قوله تعالى مخاطبا الجن والإنس : لمن خاف مقام ربه جنتان ٤٦ ( الرحمان : الآية ٤٦ ) ثم قال مبينا دخول الجن والإنس فيه : فبأي آلاء ربكما تكذبان ٤٧ ( الرحمان : الآية ٤٧ ). فلو لم يكن من الآلاء على الجن دخولهم الجنة لما قال فيهم وفي الإنس معا : فبأي آلاء ربكما تكذبان ٤٧ بعد قوله : ولمن خاف مقام ربه جنتان٤٦ فدل قوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان ٤٧ الصادق على الجن و الإنس، على أن قوله : ولمن خاف مقام ربه جنتان٤٧ أي : للجن والإنس، وهذا هو الأظهر. وهذا معنى قوله :{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتيكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذ
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير