ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

هذا المقطع بجملته ليس منفصلاً عن الدرس السابق. إنما هو امتداد له. من جنس الموجات المتعاقبة التي يتضمنها.. فهو من ناحية استطراد في بيان مصائر شياطين الإنس والجن - بعد ما بين مصير الذين يستقيمون على صراط الله - وهو من ناحية استطراد في قضية الإيمان والكفر التي تذكر في هذا الموضع من السورة بمناسبة قضية الحاكمية والتشريع. وربط لهذه القضية الأخيرة بالحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية ؛ ومنها حقيقة الجزاء في الآخرة على الكسب في الدنيا - بعد النذارة والبشارة - وحقيقة سلطان الله القادر على الذهاب بالشياطين وأوليائهم وبالناس جميعا واستبدال غيرهم بهم، وحقيقة ضعف البشر جملة أمام بأس الله. وكلها حقائق عقيدية تذكر في معرض الحديث عن التحليل والتحريم في الذبائح - قبلها - ثم يجيء بعدها الحديث في الحلقة التالية عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد ؛ وعن تقاليد الجاهلية وتصوراتها في هذه الشؤون ؛ فيلتحم الحديث عن هذه القضايا جميعا ؛ وتبدو في وضعها الطبيعي الذي يضعها فيه هذا الدين. وهي أنها كلها مسائل اعتقادية على السواء. لا فرق بينها في ميزان الله، كما يقيمه في كتابه الكريم.
ثم نعود مع السياق إلى شطر المشهد الأخير :
( يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، وينذرونكم لقاء يومكم هذا ؟ قالوا شهدنا على أنفسنا، وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين )..
وهو سؤال للتقرير والتسجيل. فالله - سبحانه - يعلم ما كان من أمرهم في الحياة الدنيا. والجواب عليه إقرار منهم باستحقاقهم هذا الجزاء في الآخرة..
والخطاب موجه إلى الجن كما هو موجه إلى الإنس.. فهل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس ؟ الله وحده يعلم شأن هذا الخلق المغيب عن البشر. ولكن النص يمكن تأويله بأن الجن كانوا يسمعون ما أنزل على الرسل، وينطلقون إلى قومهم منذرين به. كالذي رواه القرآن الكريم من أمر الجن في سورة الأحقاف : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا : أنصتوا. فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا : يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم من ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، وليس له من دونه أولياء. أولئك في ضلال مبين.. فجائز أن يكون السؤال والجواب للجن مع الإنس قائمين على هذه القاعدة.. والأمر كله مما اختص الله سبحانه بعلمه والبحث فيما وراء هذا القدر لا طائل وراءه !
وعلى أية حال فقد أدرك المسؤولون من الجن والإنس، أن السؤال ليس على وجهه. إنما هو سؤال للتقرير والتسجيل ؛ كما أنه للتأنيب والتوبيخ ؛ فأخذوا في الاعتراف الكامل ؛ وسجلوا على أنفسهم استحقاقهم لما هم فيه :
( قالوا : شهدنا على أنفسنا ) :
وهنا يتدخل المعقب على المشهد ليقول :
( وغرتهم الحياة الدنيا ؛ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) ؛
وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا. فقد غرتهم هذه الحياة ؛ وقادهم الغرور إلى الكفر. ثم ها هم أولاء يشهدون على أنفسهم به ؛ حيث لا تجدي المكابرة والإنكار.. فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق، الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه، ولا بكلمة الإنكار ! ولا بكلمة الدفاع !
ونقف لحظة أمام الأسلوب القرآني العجيب في رسم المشاهد حاضرة ؛ ورد المستقبل المنظور واقعاً مشهوداً ؛ وجعل الحاضر القائم ماضياً بعيداً !
إن هذ القرآن يتلى على الناس في هذه الدنيا الحاضرة ؛ وفي هذه الأرض المعهودة. ولكنه يعرض مشهد الآخرة كأنه حاضر قريب ؛ ومشهد الدنيا كأنها ماض بعيد ! فننسى أن ذلك مشهد سيكون يوم القيامة ؛ ونستشعر أنه أمامنا اللحظة ماثل ! وأنه يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد !
( وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم - كانوا - كافرين )..
وذلك من عجائب التخييل !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير