المعنى الجملي : بعد أن حكى عز اسمه عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا ـ أردف ذلك ببيان أن ذلك يحدث بتقديره تعالى وقضائه.
ثم أجاب سبحانه عن سؤال يخطر بالبال وهو : ما حال الظالمين إذا قدموا على الله يوم القيامة ؟ فأجاب بأنهم يسألون فقال : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم . الإيضاح : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم أي إنهم ينادون ويسألون عن دعوة الرسل لهم، فتقوم الحجة عليهم فيما يترتب من الجزاء على مخالفتها.
وقوله : رسل منكم ظاهر في أن كلا من الفريقين الإنس والجن قد أرسل منهم رسل إلى أقوامهم، لكن جمهرة العلماء يقولون : إن الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات الأخرى، وقالوا إن المراد بقوله : منكم أي من جملتكم لا من كل منكم، وهو يصدق على رسل الإنس الذين ثبتت رسالتهم إلى الإنس والجن.
والجن عالم غيبي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص، وقد دل الكتاب وصحيح الأحاديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم كقوله تعالى حكاية عن الذين استمعوا القرآن منهم أنهم قالوا : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [ الأحقاف : ٣٠ ] فهذا ظاهر في أنه كان مرسلا إليهم فنؤمن بذلك ونفوض الأمر فيما عداه إلى الله.
ثم بين سبحانه وظيفة الرسل الذين أرسلهم الله إلى الفريقين بقوله :
يقصون عليكم آياتي وينذركم لقاء يومكم هذا أي إنهم يتلون عليهم الآيات المبينة لأصول الإيمان وأحاسن الآداب والفضائل، والمفصلة لأحكام التشريع التي من ثمراتها صلاح الأعمال والنجاة من الأهوال، ينذرونهم لقاء يوم الحشر بالإعلام بما يكون فيه من الحساب والجزاء لمن كفر بالله وجحد بآياته.
ثم أجابوا عن سؤال فهم من الكلام السابق كأنه قيل فماذا قالوا حين ذلك التوبيخ الشديد ؟ فقيل :
قالوا شهدنا على أنفسنا أي شهدنا بإتيان الرسل وإنذارهم وبمقابلتنا لهم بالكفر والتكذيب. وفي هذا الجواب اعتراف صريح بكفرهم، وإقرار بأن الرسل قد أتوهم وبلغوهم دعوتهم إما مشافهة أو نقلا عمن سمعها منهم.
وهذا موطن من مواطن يوم القيامة، وفي موطن آخر لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون وفي موطن ثالث يكذبون على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم وأنهم قدموا شيئا من السيئات والخطايا.
ونحو الآية قوله : قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [ الملك : ٩ ].
وغرتهم الحياة الدنيا أي وغرتهم زينة الحياة الدنيا ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد وحب السلطان على الناس وعظيم الجاه، فكفروا بالرسل عنادا وكبرا، وقلدهم في ذلك أتباعهم، واغتر كل منهم بما يغتر به من التعاون مع الآخر.
وأما غرور غيرهم ممن جاء بعدهم بالدنيا، فلما غلب عليهم من الإسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل حتى لقد أصبحت الحظوة بين الناس لذوي المال والنسب منهم اجترحوا من الموبقات وأبسلوا من المكارم والخيرات.
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين أي وبعد أن قامت عليهم الحجة شهدوا على أنفسهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين بتلك الآيات والنذر التي جاء بها الرسل حين رأوا أنه لا يجديهم الكذب ولا تنفعهم المكابرة.
والكفر بالرسل ضربان : كفر بتكذيبهم بالقول، وكفر بعدم الإذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنن الله في ترتب الأعمال على الطباع والأخلاق.
تفسير المراغي
المراغي