المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه لعباده جميع ما حرم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه عليهم ودحض شبهتهم التي احتجوا بها على شركهم بربه وافترائهم عليه.
ذكر في هذه الآيات أصول المحرمات في الأقوال والأفعال، وأصول الفضائل وأنواع البر.
الإيضاح :( ١٠ ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله أي وإن هذا القرآن الذي أدعوكم إليه وأدعوكم به إلى ما يحييكم، هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة الله ونيل سعادة الدنيا والآخرة، حال كونه مستقيما لا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فاتبعوه وحده، ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه وهي كثيرة، فتتفرق بكم عن سبيله، بحيث يذهب كل منهم في سبيل ضلالة ينتهي بها إلى الهلكة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
والخلاصة : إن هذا صراطي مستقيما لا عوج فيه، فعليكم أن تتبعوه إن كنتم تؤثرون الاستقامة على الاعوجاج وترجحون الهدى على الضلال.
أخرج أحمد والنسائي وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال :( خط رسول الله خطأ بيده ثم قال : هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال : وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ).
وروى أحمد والترمذي والنسائي مرفوعا :( ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول : أيها الناس هلموا ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال له : ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ).
وجعل الصراط المستقيم واحدا، والسبل المخالفة متعددة لأن الحق واحد والباطل وهو ما خالفه كثير، فيشمل الأديان الباطلة سواء أكانت وضعية أو سماوية محرفة أو منسوخة.
ونهى عن التفرق في صراط الحق وسبيله، لأن التفرق في الدين الواحد وجعله مذاهب يتشيع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه ويتعصبون له ويخطئون من خالفه ويرمون أتباعه بالجهل والضلال سبب لإضاعته، إذ كل شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيها، ولا يهمها إثبات الحق وفهم النصوص، والحق لا يكون وقفا على عالم معين ولا أتباعه، بل كل باحث يخطئ ويصيب، وذلك ما دل عليه العقل وأثبته الكتاب والسنة والإجماع.
ولما كان إتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز أهل الحق كان التفرق فيه سبب ضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم.
روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله :( ولا تتبعوا السبل ) قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات.
ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون التقوى اسم لكل ما يتقى من الضرر العام والخاص مهما يكن نوعه وقد ذكرت في القرآن في سياق الأوامر والنواهي المختلفة من عبادات ومعاملات وآداب وعشرة وزواج، وتفسر في كل موضوع بما يناسبه.
أي ذلك الأمر بإتباع صراط الحق المستقيم، والنهي عن سبل الضلالات والأباطيل، وصاكم ربكم به ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة ويوصلكم إلى السعادة العظمى والحياة الصالحة.
وقال الرازي : ختمت الآية الأولى بقوله : لعلكم تعقلون والثانية بقوله : لعلكم تذكرون ، لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنى وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها، فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به، فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان.
وقال أبو حيان : ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد أمر سبحانه بإتباعه ونهى عن إتباع غيره من الطرق، ختم الآية الثالثة بالتقوى التي هي اتقاء النار، إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية.
وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا نقلها الحفاظ الثقات ؛ فمن ذلك :
( ١ ) ما أخرجه الترمذي وحسنه وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى قوله تتقون .
( ٢ ) ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ) ثم تلا : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، إلى ثلاث آيات ثم قال :( فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه ).
( ٣ ) ما أخرجه عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال : قال الربيع بن خيثم :( أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتمه ؟ قلت نعم، فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات ).
تفسير المراغي
المراغي