وقرأ حمزة (١) والكسائي (تذكرون (٢)) خفيفة الذال، خفف بالحذف، كما خفف غيرهما بالإدغام، ويمكن أن يقال: إن الحذف أولي لأنه أخف في اللفظ، والدلالة على المعنى قائمة (٣).
١٥٣ - قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا الآية، قال الفراء: (تفتح (أن) من وقوع (أتل) [الأنعام: ١٥١] عليها يعني: وأتل عليكم وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا قال: وإن شئت جعلتها خفضًا يريد: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام: ١٥٢] وبأن (٤) هذا صراطي)، وقال أبو علي: (من فتح (أن) فقياس (٥) قول سيبويه أنه حملها على (فاتبعوه) والتقدير: ولأن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ كقوله إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (٦) [المؤمنون: ٥٢] قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم، وقال في قوله: وأن
(٢) في (ش): (يذكرون)، بالياء.
(٣) هذا قول أبي علي في "الحجة" ٣/ ٤٣٠، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٩٤، و"إعراب القراءات" ١/ ١٧٣، و"الكشف" ١/ ٤٥٧.
(٤) في" معاني الفراء" ١/ ٣٦٤ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي وفيه أيضًا قال: (تكسر إن إذا نويت الاستئناف) اهـ. وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري ٢/ ٦٤٦، و"القطع" للنحاس ١/ ٢٤٣، و"التبيان" ص ٣٦٤، و"الفريد" ٢/ ٢٥١، و"الدر المصون" ٥/ ٢٢٤.
(٥) في (ش): (فقيا من قول).
(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (وأن هذه) بفتح الهمزة وتشديد النون، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسر وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بالفتح وتخفيف النون. انظر: "السبعة" ص ٤٤٦، و"المبسوط" ٢٦٢.
المساجد لله [فلا تدعوا مع الله أحدًا] (١) [الجن: ١٨] المعنى: ولأن المساجد لله (٢)، وقرأ ابن عامر (٣): (وأن هذا) مفتوحة مخففة، والمخففة [هاهنا] (٤) كالمشدودة، وفيه ضمير القصة والحديث، وعلى هذه الشريطة يخفف، والتقدير: وأنه هذا، كقول الأعشى:
في فِتَيةٍ كسيُوفِ الهند قد علمُوا... أَنْ هالِكٌ.............. (٥)
أي: قد علموا أنه هالك. قال: والفاء التي في قوله (فاتبعوا) مثل الفاء التي في قولك: يزيد فامرر، ومن كسر (إن) استأنف بها، والفاء (٦) في قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) (٧)، وذكرنا وجه
(٢) "الكتاب" ٣/ ١٢٦ - ١٢٧، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٩٢.
(٣) قرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة وتشديد النون، وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون. انظر: "السبعة" ص ٢٧٣، و"المبسوط" ص ١٧٦ - ١٧٧، و"التذكرة" ٢/ ٤١٣، و"التيسير" ص ١٠٨، و"النشر" ٢/ ٢٦٦.
(٤) لفظ: (هاهنا) ساقط من (ش).
(٥) ديوانه ص ١٤٧، وعجزه: أن هالك كل من يحفى وينتعل. وقد سبق تخريجه.
(٦) كذا في النسخ، وهو يريد الفاء في قوله: (فاتبعوه)، ويعني بقوله: والفاء في قوله، أي: الفاء على قول من قال بالقول الثاني. وفي "الحجة" لأبي علي ٣/ ٤٣٧ (والفاء في قوله، (فاتبعوه) على قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) اهـ.
(٧) انظر: "الحجة" ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٩٥، و"إعراب القراءات" ١/ ١٧٣، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٥٢، ولابن رنجلة ص ٢٧٧، و"الكشف" ١/ ٤٥٧، و"المشكل" ١/ ٢٧٧، و"البيان" ١/ ٣٤٩.
انتصاب قوله (مستقيما) عند قوله: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ [الأنعام: ١٢٦] في هذه السورة. قال ابن عباس في قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا (يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها) (١).
وقال مقاتل: (الذي ذكر في هذه الآيات (٢) من أمره ونهيه صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٣).
وقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ قال ابن عباس: (اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان) (٤)، وهذا تفسير ما ذكره مجملًا في رواية عطاء قال: (يريد: مثل الذي يسلك الطريق فيأخذ بنيات (٥) الطريق) (٦)، وقال مجاهد وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ (يعني: البدع والشبهات) (٧)، وقال مقاتل: (يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
(٢) في "ش" (الآية).
(٣) "تفسير مقاتل" ١/ ٥٩٧.
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ٧٤، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٤٢، وأخرج الطبري في "تفسيره" ٨/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٢ بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: (لا تتبعوا الضلالات) ا. هـ
(٥) بُنيّاتُ الطريق، بضم الباء وفتح النون والياء المشددة: الطُّرف الصغار تتشعب من العبادة، وهي الترهات. انظر: "اللسان" ١/ ٤٠٨ (بني).
(٦) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في تفسيره ٨/ ٨٨ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) اهـ.
(٧) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٢٧، وأخرجه الطبري في (تفسيره) ٨/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٠٦، وفي "تفسير مجاهد" زيادة لفظ (والضلالات).
أنفسهم من الأنعام والحرث (١).
وقوله تعالى: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ قال ابن عباس: (فتضل (٢) بكم عن دينه) (٣). وقال مجاهد: (أي: تميل وتخالف، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ السبل) (٤). وقال عطاء: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: (كي تخافوا) (٥) قال المفسرون (٦): (هذه الآيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار).
(٢) في (ش): (فيضل) بالياء.
(٣) في "تنوير المقباس" ٢/ ٧٤ نحوه.
(٤) لم أقف عليه، وهو في "الوسيط" ١/ ١٤٢ بدون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٢ بسند جيد عن مجاهد في قوله: (لعلكم تتقون) قال: (لعلكم تطيعوا) اهـ.
(٥) لم أقف عليه، قال أهل العلم: (هذه آية عظيمة أمر الله تعالى فيها باتباع سبيله، وحذر من اتباع السبل، وهي تعم سائر أهل الملل والبدع والضلالات والأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد). أفاده ابن عطية في "تفسيره" ٥/ ٤٠٠، والقرطبي ٧/ ١٣٧ - ١٣٨، وانظر: "تفسير ابن كثير" ٢/ ٢١٣.
(٦) أخرج الطبري في "تفسيره" ٨/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٤١٤، والحاكم و"صححه" ٢/ ٢٨٨ و٢/ ٣١٧ عن ابن عباس قال: (من الآيات المحكمات قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١]). وأخرج ابن الضريس في "فضائل القرآن" ص ٩٤ - ٩٥ بسند جيد عن كعب الأحبار قال: (أول ما نزل من التوراة عشر آيات من آخر الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ... إلى آخر السورة) ا. هـ، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٠٣. وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره ١/ ٥٢٣: (ويقال: هذه الآيات هن أم =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي