قوله تعالى: بَلْ بَدَا :«بل» هنا لانتقالٍ من قصة إلى أخرى وليست للإِبطالِ، وعبارةُ بعضهم توهم أن فيها إبطالاً لكلام الكفرة فإنه قال: «بل» رَدٌّ لِما تمنَّوه، أي: ليس الأمر على ما قالوه لأنهم لم يقولوا ذلك رغبةً في الإِيمان، بل قالوه إشفاقاً من العذاب وطمعاً في الرحمة. قال الشيخ: «ولا أدري ما هذا الكلام؟». قلت: ولا أدري ما وَجْهُ عدمِ الدراية منه؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لمَّا قالوا: يا ليتنا كأنهم قالوا تمنَّيْنا، ولكن هذا التمنِّيَ ليس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقيَّةً، فقد يتمنى الإِنسان شيئاً بلسانه وقلبه فارغ منه. وقال الزجَّاج «بل» هنا استدراكٌ وإيجابُ نفي كقولهم: ما قام زيد بل قام عمرو «. قال الشيخ:» ولا أدري ما النفيُ الذي سَبَق حتى توجَبه «بل» ؟ قلت: الظاهرُ أنَّ النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله: وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا إذا جعلناه مستأنفاً على تقدير: ونحن لا نكذِّبُ، والمعنى: بل إنهم مُكَذِّبون.
وفاعلُ «بدا» قوله: مَّا كَانُواْ و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً وهو الظاهر، أي: ظهر لهم الذي كانوا يُخْفونه. والعائد محذوف. ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي ظهر لهم إخفاؤهم، أي: عاقبته، أو أُطْلِق المصدرُ على اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر أن الضميرين: أعني المجرورَ والمرفوعَ في قوله بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ عائدان على شيء واحد، وهم الكفار أو اليهود والنصارى خاصة، وقيل: المجرورُ للأتباع والمرفوعُ للرؤساء، أي: بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبعون يُخْفُونه.
قوله: وَلَوْ رُدُّواْ قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ الأعمش
ويحيى بن وثاب وإبراهيم: «رِدُّوا» بكسرها خالصاً. وقد عَرَفْتَ أن الفعلَ الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بُني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء المعتل العين إذا بُني للمفعول نحو: قيل وبيع، وقد تقدَّم ذلك. وقال الشاعر:
| ١٨٩ - ٧- وما حِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلمائِنا | ولا قائلُ المعروف فينا يُعَنَّفُ |
قوله: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ تقدَّم الكلام على هذه الجملة: هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله يا ليتنا ؟ صفحة رقم 592
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط