ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

المعنى الجملي : بين الله في الآية السابقة حال طائفة من المشركين تلقي السمع مصغية للقرآن لكن لا يدخل القلب شيء مما تسمع، لما عليه من أكنة التقليد، والاستنكار لكل شيء جديد، فهم يستمعون ولا يسمعون، وبين في هاتين الآيتين بعض ما يكون من أمرهم يوم القيامة وتمنيهم العودة إلى الدنيا ليعملوا صالح العمل ويكونوا من المؤمنين حقا ثم كذبهم فيما يقولون وأنهم لو ردوا لعادوا لما كانوا فيه لفقد استعدادهم للإيمان، وأن حالهم بلغ مبلغا لا يؤثر فيه كشف الغطاء ورؤية الفزع والأهوال.
ثم بين أن هذا التمني لم يكن لتغير حالهم، بل لأنه بدا لهم ما كان خفيا عنهم فقال : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل .
الإيضاح : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل أي بدا لهم سوء عاقبة ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنوا الخلاص منه بالرد إلى الدنيا وترك ما أفضى إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان، كما يتمنى الموت من أنهكه المرض وأضناه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام لا لأنه محبوب في نفسه ولا مرجو لذاته.
بيان هذا : أنه إذا جاء ذلك الذي تبلى فيه السرائر وتنكشف جميع الحقائق، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح، وتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدينة في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها كما تتمثل الوقائع مصورة في آلة الصور المتحركة :" فلم السينما ".
فكل أحد يظهر له في الآخر ما كان خافيا عليه من خير في نفسه وشر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [ الحاقة : ١٨ ] أي فهي لا تخفى على أنفسكم فضلا عن خفائها على ربكم.
والخلاصة : إنه تعالى بين لنا أن تمني أولئك الكفار لما تمنوا لا يدل على تبدل حقيقتهم، بل بدا لهم ما كان خافيا عليهم من أحوالهم بإخفائهم إياه على الناس أو عليهم وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون٤٧ وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون [ الزمر : ٤٧ ٤٨ ] فتمنوا الخروج مما حاق بهم، ولكن الحقيقة لا تتغير، وإنما يكون للنفوس أطوار وأحوال.
ثم بين أنهم كاذبون في هذا الندم فقال :
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والنفاق والكيد والمكر والمعاصي فإن ذلك من أنفسهم، ثابت فيها لخبث طينتهم وسوء استعدادهم، ومن ثم لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوا ولا سوء ما رأوا.
وإنهم لكاذبون فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، وبالكون من المؤمنين بالله ورسوله، فلو ردوا إلى الدنيا لرد المعاند المستكبر منهم مشتملا بكبره وعناده، والمنافق مرتدا بمكره ونفاقه، والشهواني ملوثا بشهواته القابضة على زمامه.
وأما ما ظهر لهم إذ وقفوا على النار من حقيقة ما جاء به الرسول، فما مثله إلا مثل ما يلوح لهم في الدنيا من الآيات والعبر، فهم يكابرون فيها أنفسهم، ويغالطون عقولهم ووجداناتهم.
ألا ترى شارب الخمر والمقامر يريان ما حل بغيرهما من الشقاء فيظهران الندم على ما فرط منهما ويتوبان ويعزمان على ألا يعودا إلى مثل ما عملا، ثم لا يلبثان أن يرجعا سيرتهما الأولى خضوعا لما اعتادا وألفا، وترجيحا للذة العاجلة على المنفعة الآجلة.
ومن هذا يستبين لك أن الطريقة المثلى لتعويد الناس الفضيلة، هي حملهم عليها بالعمل والمران وحسن التلقين والتعليم كما يمرّن الأطفال الصغر والرجال على أعمال الجندية، ولا ينبغي أن يسمح للأحداث بإطاعة شهواتهم واتباع أهوائهم، ظنا أن هذا يعوّدهم الحرية والاستقلال فيهديهم ذلك إلى الحق والفضيلة، إذ قلما يوجد من يتبع شهواته في الصغر ثم يعدل عن ذلك في الكبر بعد أن يصير طبيعة وعادة.
فما مثل تربية الأطفال على الآداب والفضائل إلا مثل تربيتهم على النظافة ومراعاة القوانين الصحية فإنا نعودهم ذلك في الصغر ثم هم يعرفون فوائد ذلك في الكبر.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير