ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ٢٧ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ٢٨
بين الله تعالى لنا في الآيتين اللتين قبل هاتين حال من فقدوا الاستعداد للإيمان من المشركين الظالمين لأنفسهم، وخص بالذكر طائفة منهم وهي التي تلقي السمع مصغية للقرآن ولا يدخل من باب سمعها إلى بيت قلبها شيء منه، لما على القلب من أكنة التقليد، والاطمئنان بالشرك التليد، والاستنكار لكل شيء جديد ؛ فهم يستمعون ولا يسمعون، ولا يكتفون بذلك بل ينهون عنه وينأون وهم ناؤون منتهون، وما يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون. ثم بين في هاتين الآيتين بعض ما يكون من أمرهم وأمر أمثالهم يوم القيامة، وقفى عليه ببيان كنه حالهم في فقد الاستعداد للإيمان، وأنه بلغ مبلغا لا يؤثر فيه كشف الغطاء ورؤية العيان.
قال تعالى مبينا كنه حالهم وما ظهر لهم منه في الآخرة وما يقتضي أن يكونوا عليه في الدنيا لو ردوا إليها :
بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل قالوا إن الإضراب في هذه الآية إضراب عما يدل عليه تمنيهم من إدراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته، ولحقية الإيمان وحسن عاقبته، وعزمهم على الإيمان وترك التكذيب لو أعطوا ما تمنوا من الرد إلى الدنيا ووعدهم بذلك نصا أو ضمنا، كأنه يقول ليس الأمر كما يوهمه كلامهم في التمني بل ظهر لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا وفيه أقوال :
١- أنه أعمالهم السيئة وقبائحهم الشائنة، ظهرت لهم في صفائحهم، وشهدت بها عليهم جوارحهم.
٢- أنه أعمالهم التي كانوا يغترون بها، ويظنون أن سعادتهم فيها، إذ يجعلها الله تعالى هباء منثورا.
٣- أنه كفرهم وتكذيبهم الذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [ الأنعام : ٢٣ ].
٤- أنه الحق أو الإيمان الذي كانوا يسرونه ويخفونه بإظهار الكفر والتكذيب عنادا للرسول واستكبارا عن الحق، وهذا إنما ينطبق على أشد الناس كفرا من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : ١٤ ].
٥- أنه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذي جاءت به الرسل – بدا للأتباع الذين كانوا مقلدين لهم، ومنه كتمان بعض علماء أهل الكتاب لرسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته وبشارته وبشارة أنبيائهم به.
٦- أنه ما كان يخفيه المنافقون في الدنيا من أسرار الكفر والتظاهر بالإيمان والإسلام.
٧- أنه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنم، وأن إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به، وهو المعنى الأصلي لمادة كفر.
٨- أن في الكلام مضافا محذوفا، أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنوا التفصي منه بالرد إلى الدنيا وترك ما أفضى إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان، كما يتمنى الموت من أمضه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام، لا لأنه محبوب في نفسه.
ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال بل الصواب عندنا قول آخر.
٩- وهو أنه يظهر يومئذ لكل من أولئك الذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من الكفار ما كان يخفيه في الدنيا مما هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم، فالذين كفروا عنادا واستكبارا كالرؤساء الذين ظهر لهم الحق كانوا يخفون ذلك الحق، ومنهم بعض علماء أهل الكتاب – والمنافقون الذين أظهروا الإيمان جبنا وضعفا أو مكرا وكيدا، كانوا يخفون الكفر عن المؤمنين – وأصحاب الأعمال القبيحة من الفواحش والمنكرات يخفونها عمن لا يقترفها معهم – والذين يعتذرون عن ترك الواجبات بالأعذار الكاذبة يخفون حقيقة حالهم عمن يعتذرون إليهم، والمقلدون يخفون في أنفسهم ما يلوح فيها أحيانا من برق الدليل المظهر لما كمن، في أعماق الفطرة من الحق، سواء أومض ذلك البرق من آيات الله في الآفاق، وألسنة حملة الحجة والبرهان، أو من آيات الله في أنفسهم، قبل أن تحيط بهم خطيئتهم ويختم على قلوبهم، وهؤلاء المقلدون العميان هم الذين بينت الآيات حالهم في الدنيا، وإنما جعلنا ما تلا ذلك من بيان حالهم في الآخرة عاما لكل من مات على الكفر لتساويهم فيه وعدم استفادة أحد منهم من استعداده للإيمان، لعدم استعمالهم لذلك الاستعداد.
وقد يعم الإخفاء للشيء ما كان منه بالقصد إليه والإرادة له في ذاته، وما كان ظاهرا في نفسه وخفي عن أهله بأعمال وتقاليد لهم عدوا بها مخفين له، كالعقائد والفضائل التي أودعت في الفطرة، ودلت عليها آيات الله البينة، وأعرض عنها الضالون والتزموا ما يضادها فأخفوها بذلك حتى عن أنفسهم، فإذا كان يوم الله الذي تبلى فيه السرائر، وتنكشف جميع الحقائق، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح، إذ تنشر كتب الأعمال، التي كانت مطوية في زوايا الأرواح، فتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدنية كلها، في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كما تتمثل الوقائع المصورة، في المنظرة التي يعرض فيها ما يعرف الآن بالصور المتحركة، فإن حفظ ألواح الأنفس المدركة لما ترسمه وتطبعه العقائد والأعمال فيها، أقوى وأثبت من حفظ ألواح الزجاج الحساسة لما يرسمه ويطبعه نور الشمس عليها، وعرض الصور الشمسية في الدنيا دون عرض الصور النفسية في الآخرة.
وبهذا البيان تعلم أن كل أحد يظهر له في الآخرة كل ما كان خفيا عنه من خير نفسه وشرها، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [ الحاقة : ١٨ ] أي لا تخفى على أنفسكم، فضلا عن خفائها على ربكم. وقد خص بالذكر هنا بدو ما كان يخفيه الكفار، ولكل مقام مقال، بين الله تعالى لنا أن تمني أولئك الكفار لما تمنوا لا يدل على تبدل حقيقتهم، بل بدا لهم ما كان خفيا عنهم منها، بإخفائهم إياه عن الناس أو عنها، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون [ الزمر : ٤٧، ٤٨ ] فتمنوا الخروج مما حاق بهم، ولكن الحقيقة لا تتغير، وإنما يكون لها أطوار، تختلف باختلاف الأحوال والأوطار.
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الشرك والكفر والنفاق والكيد والمكر والمعاصي، لأن مقتضى ذلك من أنفسهم ثابت فيها، وما دامت العلة ثابتة فإن أثرها وهو المعلول لا يتخلف عنها، وإنهم لكاذبون ( ٢٨ ) فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، وبالكون من المؤمنين بالله ورسوله، سواء علموا حين تمنوا ووعدوا أنهم كاذبون في هذا الوعد أم لم يعلموا، فلو ردوا إلى الدنيا لرد المعاند المتكبر منهم مشتملا بكبره وعناده، وكل من الماكر والمنافق مرتديا بمكره ونفاقه، والمقلد مقيدا بتقليده لغيره، وعدم ثقته بفهمه وعلمه، والشهواني ملوثا بشهواته المالكة لرقه. وأما ما ظهر لهم إذ وقفوا على النار من حقية ما جاء به الرسل، فإنما مثله كمثل ما كان يلوح لهم في الدنيا من البينات والعبر، ألم تر كيف يكابرون فيها أنفسهم، ويغالطون عقلهم ووجدانهم، ويمارون مناظريهم وأخدانهم، يشرب الفاسق الخمر فيصدع، أو يلعب بالقمار فيخسر، ويأكل المريض أو ضعيف البنية الطعام الشهي أو يكثر منه فيتضرر، ويرى غير هؤلاء من المخالفين لشرع الله المنزل بالحق، أو لسننه الثابتة التي أقام بها نظام الخلق، ما حل من الشقاء بغيره ممن سبقه إلى مثل عمله – فيندم كل واحد ممن ذكرنا ويتوب، ويعزم على أن لا يعود، وإنما يكون هذا عند فقد داعية العمل، ووجود داعية الترك، فإذا عادت الداعية إلى العمل عاد إليه خضوعا لما اعتاد وألف، وترجيحا لما يلذ على ما ينفع.
ومن وقائع العبر في ذلك ما حدث لأخ لي عملت له عملية جراحية خدر قبلها البنج ( كلورفورم ) فكان من تأثيره فيه أنه شعر بأن روحه تسل من بدنه، وقد طال الأمد على اندمال جرحه، وكان قبل ظهور أمارات الشفاء منه يخاف أن يذهب بنفسه، فيندم ويتحسر على ما كان منه من التفريط والتقصير في الواجبات، وإضاعة الأوقات الطويلة في البطالة واللهو وإن كان من المباحات، وعزم على الجد والتشمير فيما بقي من عمره، إن عافاه الله من مرضه، حتى عزم على الاستمرار على ترك شرب الدخان، الذي منعه الطبيب منه في أثناء أخذه بالعلاج، ولكنه لما عاد إلى مثل ما كان عليه من الصحة على أنها لم تكن سابغة، عاد كذلك لجميع أعماله وعاداته السابقة، على أنه تذكر من تلقاء نفسه هذه الآية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وعد ما وقع له شاهدا لها، ومثالا تعرف به حقيقة تفسيرها.
ويستنبط من الآية أن الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة إنما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد، مع التعليم وحسن التلقين، كما يربى الأطفال في الصغر، وكما يمرن الرجال على أعمال العسكر، وأن من أكبر الخطأ أن يسمح للأحداث بطاعة شهواتهم وإتباع أهوائهم بشبهة تربيتهم على الحرية والاستقلال، الذي يهديهم إلى الحق والفضيلة بما يفيدهم العلم في سن الرشد من الاقتناع بطريق الاستدلال. أقول : إن هذا من أكبر الخطأ – وأنا عالم بفضل التربية الاستقلالية ومن الدعاة إليها – لأنه قلما يوجد في الناس من يتبع هواه وشهواته في الصغر، ثم يرجع عن ذلك كله في الكبر، بعد أن يصير ملكة وعادة له، لقيام الدليل عنده على أنه ينافي الحق أو العدل والفضيلة. وإنما يقع مثل هذا من أفراد من الناس خلقوا مستعدين للحكمة، بما أوتوا من سلامة الفطرة وقوة العزيمة، أو من إتباع الرسل في زمن البعثة.
وأكثر البشر مسخرون لعادتهم، منقادون لما ألفوا في أول نشأتهم، لا يخالفون ذلك إلا قليلا، يتكلفون المخالفة تكلفا عند عروض ما يقتضي ذلك، فإذا زال المقتضي عادوا إلى عادهم وشنشنتهم، وعملوا على سابق شاكلتهم ؛ وإنما تربية الصغار على ما عرف من الحق وتقرر من أصول الفضيلة والأدب، كتربيتهم على النظافة ومراعاة قوانين الصحة، لا يشترط أن يعرفوا من أول النشأة فائدة ذلك بالدليل والبرهان، وتأخير تلقينهم هذه الفائدة إلى وقت الاستعداد لها في الكبر لا ينافي تربية الاستقلال، وأوضح الشواهد والأمثلة المعروفة على ما قلنا فشو السكر في أمم الإفرنج ومقلدتهم من الشرقيين، فإن أكثرهم يعلمون أنه ضار قبيح، ولا يكاد يوجد في مئة الألف منهم واحد يتركه، بعد أن اعتاده وأدمنه، لاقتناعه بضرره بما ثبت من الدلائل الطبية، والتجارب القطعية.
تفسير المنار
رشيد رضا