ثم ذكر دلائل قدرته على البعث وغيره، فقال : وما من دابة تَدِبُّ في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه في الهواء، إلا أمم أمثالكم ؛ مقدرة أرزاقها، محدودة آجارها، معدودة أجناسها وأصنافها، محفوظة ذواتها، معلومة أماكنها، كلها في قبضة الحق، وتحت قدرته ومشيئته، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، فيدل على قدرته على أن ينزل آية، وعلى بعثهم وحشرهم ؛ لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم، كما قال تعالى : ما فرطنا في الكتاب أي : اللوح المحفوظ، من شيء ؛ فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل فيه أمرَ حيوان ولا جماد، ظاهرًا ولا باطنًا، أو القرآن ؛ فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً ومجملاً، حتى قال بعض السلف :( لو ضَاع لي عِقالٌ لوجدتُه في كِتَابِ الله ) أي : باعتبار العموم وأصول المسائل.
قال تعالى : ثم إلى ربهم يُحشرون أي : الأمم كلها، فيُنصف بعضها من بعض. كما رُوِي أنه يُؤخذ للجَمَّاء من القَرنَاء١ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : يُحشر الخلقُ كلهم يوم القيامة : البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغُ من عَدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول : كُوني ترابًا، فذلك حيث يقول الكافر : يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [ النّبَأ : ٤٠ ]. وفي المسألة اضطراب بين العلماء، والصحيح هو حشرها، كما قال تعالى : وَإِذّا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ التّكوير : ٥ ]، وعن ابن عباس رضي الله عنه :( حشرها موتها ). والله تعالى أعلم.
الإشارة : قد تقدم مرارًا أن طلب الكرامات من الأولياء : لقلة الاعتقاد فيهم وقلة الصدق. وأكمل الكرامات : الاستقامة على التوحيد في الباطن، وتحقيق العبودية في الظاهر. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي