ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب يَسْمَعُونَ إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ- رضي اللَّه عنهم- إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا:
سمع.
ثم قال تعالى: وَالْمَوْتى يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة «١».
ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم «٢»، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق «٣»، فَتَنَاسَبَت الآية.
وقال مجاهد، وقتادة: وَالْمَوْتى يريد الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ، أي: إلى سطوته، وعقابه يُرْجَعُونَ «٤».
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٧ الى ٣٨]
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)
وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ»، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ- عليه السلام- بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه- عز وجل- قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه- سبحانه- إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمّل ليهتدي قوم ويضلّ آخرون.

(١) أخرجه الطبري (٥/ ١٨٥) رقم (١٣٢٠٩، ١٣٢١١، ١٣٢١٢) وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٩) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن الحسن، ولعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن مجاهد بنحوه.
(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩).
(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨٩).
(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩).

صفحة رقم 461

وقوله سبحانه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ.
ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً.
قال الطبري «١»، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء.
وروى أبو ذَرٍّ: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟ / قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» «٢».
وقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده.
وقوله: بِجَناحَيْهِ تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ. وقال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( [الإسراء: ١٣]، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: بِجَناحَيْهِ إخراج للطائر عن هذا كله.
وقوله سبحانه: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير.
قال أبو حيان «٣» : أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون مِنْ شَيْءٍ في موضع المفعول به. انتهى.
والْكِتابِ: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ.
وقيل: اللوح المحفوظ، ومِنْ شَيْءٍ على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى

(١) ينظر الطبري (٥/ ١٨٦).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٢)، والطيالسي (٤٨٠) من حديث أبي ذر.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٥)، وقال: وفيه راو لم يسم.
(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٢٦).

صفحة رقم 462

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية