ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قوله : وما من دابة أصله : وما دابة في الأرض. وإنما زيدت قبله ( من ) في قوله : وما من دابة في الأرض لتنقلها زيادة ( من ) من الظهور في العموم، إلى التنصيص الصريح في العموم. فقد تقرر في الأصول : أن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم. إلا أنها تكون ظاهرة في العموم، فإذا زيدت قبل النكرة لفظة ( من ) نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. فلو قيل : " وما دابة في الأرض " كانت الصيغة ظاهرة في العموم. ولما أكد شمول النفي ب ( من ) وقال : وما من دابة نقلتها زيادة ( من ) من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. والمراد بالعموم : شمول النفي لكل دابة. أنه ما دابة في الأرض، ولا طائر يطير إلا أمم أمثالكم.
واعلم أن زيادة ( من ) قبل النكرة في سياق النفي لتنقلها من الظهور في العموم، إلى التنصيص الصريح في العموم، تطرد في القرآن وفي اللغة العربية في ثلاثة مواضع :
الأول : أن تزاد قبل المبتدأ، كما هنا ؛ لأن الأصل : وما دابة. و ( دابة ) مبتدأ سوغ الابتداء فيه بالنكرة اعتمادها على النفي قبله.
الثاني : زيادة ( من ) قبل النكرة في سياق النفي إذا كانت النكرة فاعلا. نحو : ما أتاهم من نذير [ القصص : آية ٤٦ ] أصله :( ما أتاهم نذير ) فاعل زيدت قبله ( من ).
الثالث : أن تزاد قبل المفعول، نحو : وما أرسلنا من قبلك من رسول [ الأنبياء : آية ٢٥ ] الأصل : ما أرسلنا من قبلك رسولا.
فزيدت ( من ) فتحصل أن ( من ) إذا زيدت قبل النكرة في سياق النفي نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. وأنها تزاد قبل النكرة باطراد في ثلاثة مواضع : قبل المبتدأ، وقبل الفاعل، وقبل المفعول.
وقوله : في الأرض قال بعض العلماء : إنما خص دواب الأرض دون دواب السماء – مع أن في السماء دوابا أيضا، كما قال : ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير [ الشورى : آية ٢٩ ] – لتهوين أمرهم ؛ لأنه أراد أن يبين – لما قال الكفار : لولا أنزل عليه آية – أنه لا يهمل شيئا، وهو قائم بمصالح دواب الأرض التي هي من أحقر الأشياء، فكيف يهمل مصالح الآدميين ! ! ولو كان لكم في الآية المقترحة فائدة لأتاكم بها.
وقال بعض العلماء : عبر لهم بما عرفوا في الأرض، وترك غيره ؛ لأنهم لم يعرفوه، فأريد مخاطبتهم بما علموا.
وقوله : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه قال بعض العلماء : إذا كان الطير نازلا يمشي في الأرض فقد يصدق عليه اسم ( الدابة ) لدبيبه في الأرض، وإذا طار في جو السماء قابضا وصافا لم يصدق عليه في ذلك الوصف اسم الدبيب، وإنما يصدق عليه أنه يطير بجناحيه لا يدب برجله.
وقوله : يطير بجناحيه في هذه الآية سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم : ما الفائدة وما الحكمة في قوله : بجناحيه ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه ؟
الجواب عن هذا السؤال عند العلماء من أوجه منها : أن القرآن نزل بلغة العرب ومن عادة العرب هذا النوع من التوكيد، نحو :( قال لي هذا بفيه )، و ( مشى إلي برجله )، ومنه في القرآن : يكتبون الكتاب بأيديهم [ البقرة : آية ٧٩ ] ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، وكقوله : يقولون بأفواههم [ آل عمران : آية ١٦٧ ] يقولون بألسنتهم [ الفتح : آية ١١ ] ومعلوم أن القول بالفم واللسان وما جرى مجرى ذلك.
القول الثاني : أن مادة ( الطاء والياء والراء ) – مادة ( الطيران ) – قد تطلقها العرب على الإسراع بالرجلين، لا بالجناحين. وقد تقول لعبدك : " طر يا غلام في حاجتي ". تعني : أسرع، وفي الحديث في مدح المجاهد : " إذ سمع هيعة طار إليها "، أي : أسرع إليها. وفي شعر الحماسي، بيته المعروف :
................................ *** طاروا إليه زرافات ووحدانا
وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول قعنب بن أم صاحب :
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به *** وإن ذكرت بسوء عندهم أدنوا
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا *** مني وما سمعوا من صالح دفنوا
ولما كان يكثر في لغة العرب [ إطلاق ] الطيران على الإسراع بالرجلين، قد يكون لقوله : بجناحيه فائدة ؛ لتخرج من الإسراع بغير الجناحين كما ذكرنا. وكان بعض العلماء يقول : قد يكون بعض ما يطير يطير بأكثر من جناحين، كما قال في الملائكة : جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع [ فاطر : آية ١ ] قالوا : هنالك من الملائكة ما يطير بأربعة أجنحة ؛ ولذا احترز عن ذلك بقوله : بجناحيه .
وأظهر الأقوال هو ما صدرنا به : أن هذا الأسلوب معروف في كلام العرب، كقوله : " قاله لي بفيه "، و " مشى إليه برجله "، و " كتبت له بيدي "، و " طار الطائر بجناحيه "، ومنه : يكتبون الكتاب بأيديهم [ البقرة : آية ٧٩ ] يقولون بأفواههم [ آل عمران : آية ١٦٧ ] وما جرى مجرى ذلك و ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم في قوله : إلا أمم سؤال، وهو أن يقال : أفرد الله هنا الدابة، قال : وما من دابة بلفظ ( دابة ) واحدة ولا طائر بلفظ ( طائر ) واحد. فكيف يجمعهم على أمم ويقول : إلا أمم أمثالكم ؟
والجواب : في هذا واضح ؛ لأن قوله : ما من دابة وقوله : ولا طائر كلاهما نكرة في سياق النفي، تعم كل دابة، كائنة ما كانت، وكل طائر يطير بجناحيه كائنا ما كان، فالمعنى عام ؛ ولذا قال في مثل هذا : وعل كل ضامر [ الحج : آية ٢٧ ] أفرد اسم الضامر وقال : يأتين بصيغة الجمع ؛ لأن كل ضامر بمعنى : ضوامر كثيرة، وكذلك ما من دابة بمعنى : دواب كثيرة ولا طائر يعم طيرا كثيرا ؛ ولذا قال : إلا أمم أمثالكم اختلف العلماء في مثلية هذه الأمم للآدميين على أقوال متعددة، بعضها حق. وحاصل هذا أن الله صرح بأن الدواب بأنواعها : بأنواع الوحوش، وأنواع السباع، وأنواع الطيور، كل نوع من هذه الأنواع أمة من الأمم التي خلق الله، أمثال الآدميين ؛ لمشابهات بينها وبين الآدميين ؛ لأن كلا من الجميع مخلوق يحتاج إلى خالق يخلقه، مرزوق يحتاج إلى خالق يرزقه ويدبر شؤونه. والكل مضبوط في كتاب : أوصاف الجميع، وآداب الجميع، وصفات الجميع، ومقاديرهم، وألوانهم، إلى غير ذلك. ومما يكون من تلك المماثلة : أن الجميع يحشرون إلى الله، كما قال هنا : ثم إلى ربهم يحشرون ونص على ذلك في التكوير في قوله : وإذا الوحوش حشرت [ التكوير : آية ٥ ] فلما كانوا أمما وأجناسا يعرف بعضهم بعضا، وتسافد ذكورها إناثها فيتناسلون، وهذا أب، وهذا أم، والكل مرزوق، يرزقه رازق، يدبر شؤونه، وقدر أرزاقه، وقدر آجاله، القدر الذي يرزقهم الله محدد، والقدر الذي يعيشون في الدنيا محدد، وأوصافهم، وألوانهم، وغير ذلك، وكل هذا في كتاب، والآدميون كذلك يحتاجون إلى رازق يرزقهم، ويدبر شؤونهم، يضبط آجالهم، وأعمالهم، وأرزاقهم. من هذه الحيثية صارت هذه أمما أمثالنا.
وقد كان لسفيان بن عيينة ( رحمه الله ) في هذه الآية تفسير مشهور ارتضاه بعض العلماء، ولا يظهر عندنا كل الظهور، كان ابن عيينة ( رحمه الله ) يقول في هذه الآية الكريمة : إن الله تبارك وتعالى جعل في الآدميين شبها من أنواع البهائم، فجعل في بعضهم جراءة الأسد، وجعل في بعضهم سرعة عدو الذيب، وجعل في بعضهم فخر الطاووس وزهوه، وجعل في بعضهم شره الخنزير، وهكذا، وأن بينهما مشابهات من هذا النوع.
وأكثر العلماء على أنهم إنما كانوا أمما أمثالنا ؛ لأن كلنا مخلوق، مسكين، مرزوق، يدبر شؤونه خالق رازق، وأن ذلك الخالق الرازق قدر الأوقات الذي يوجدنا فيها، والأوقات التي يميتنا فيها، والأرزاق التي يرزقنا فيها، وقدر لكل منا قدر حياته، ورزقه، وأجله، وقدر صفته التي يكون عليها، ومقداره الذي يكون عليه، ونحو ذلك.
وبهذه الآية يتفكر المسلم ويعتبر، ويعلم أنه بالنسبة إلى ضعفه وافتقاره ؛ وعظمة الله ( جل وعلا ) وجلاله، أنه كالحيوانات والبهائم.
وكان بعض العلماء يقول : إلا أمم أمثالكم كما أنكم تعرفون الله، وتسبحون الله، وتوحدونه، فهم أمم أمثالكم كذلك. ويدل لهذا أن الله ( جل وعلا ) قال : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [ الإسراء : آية ٤٤ ] وقال جل وعلا : ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه [ النور : آية ٤١ ].
ومما يقدح في هذا القول أن هذا النوع تستوي فيه الجمادات مع البهائم ؛ [ لأنه ] دل الكتاب والسنة على أن الجمادات تشارك البهائم في هذا، والله في آية الأنعام هذه خص الحيوانات حيث قال : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه أما ذلك الإدراك، وتسبيح الله، فالجمادات تشارك فيه البهائم، ويشملها عموم قوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده [ الإسراء : آية ٤٤ ] وقد سبح الحصى بيد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في صحيح البخاري في قصة الجذع – وهي متواترة أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما تحول عنه إلى المنبر فقد النبي صلى الله عليه وسلم فحن حنين العشار، والمسجد غاص بالناس، والصحابة يسمعون حنينه، حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم يسكته كما تسكت الأم ولدها. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة ". وقد قال الله ( جل وعلا ) في كتابه : فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها – أي : من الحجارة – لما يهبط من خشية الله [ البقرة : آية ٧٤ ] لما يصعق من أعلى الجبل إلى أسفله نازلا خوفا من رب العالمين ( جل وعلا )، كما قال تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [ الحشر : آية ٢١ ] وقد قال جل وعلا : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن [ ص : آية ١٨ ] فصرح بتسبيح الجبال، وقد قال جل وعلا : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها [ الأحزاب : آية ٧٢ ] والإشفاق : الخوف. معناه : أن هذه الجمادات، من السماوات والأرض والجبال، عندها إدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه، حيث أبت من التزام التكليف وأشفقت، وهذه حقائق دل عليها الكتاب والسنة. والملحدون الذين يقولون : " هذه أمثلة، وتخييل، وتصوير بما ليس بواقع ". كل ذلك من صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل، وذلك لا يجوز ؛ إذ لا مانع عقلا أن يخلق الله للجمادات إدراكات يعلمها هو ونحن لا نعلمها، كما قال تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده [ الإسراء : آية ٤٤ ] وكذلك يخلق للبهائم إدراكات، وقد نص القرآن على كثير من ذلك، نص على قضية النملة وخطبتها العظيمة التي قال فيها : قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون [ النمل : آية ١٨ ] وذكر قصة الهدهد ومحاجته لسليمان، ونسبته الإحاطة لنفسه ونفيها عن سليمان أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين [ النمل : آية ٢٢ ] وبين أنه يفهم أن يذهب بالكتاب إلى بلقيس وجماعتها اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا [ النمل : آية ٢٨ ].
وقوله ( جل و

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير