ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

وبعد ذلك يأتي الحق بالبيان الارتقائي :
وما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون . ٣٨
إنه سبحانه يوضح لنا : أنا أعطى الآيات التي أعلم أن الفطرة السليمة تستقبلها كآية وتؤمن بها. وأنزلت لكم القرآن لتؤمنوا بالرسول الذي يحمله منهجا يصلح حياتكم. وقد جعلتكم سادة للكون ؛ تخدمكم كل الكائنات، لأنكم بنو آدم. وكان الأجدر بكم أن تنتبهوا إلى أن الحيوان في خدمتكم، والنبات في خدمة الحيوان وخدمة الإنسان، وكل كائنات الوجود تصب جهدها المسخر لخدمتكم. فإذا كنت قد جئت للأجناس كلها وجعلتها دونكم وأعطيتها ما يصلحها ويقيمها ووضعت لها نظاما، وأعطيتها من الغرائز ما يكفي لصلاح أمرها حتى تؤدي مهمتها معكم على صورة تريحكم فإذا كان هذا هو شأننا وعملنا مع من يخدمكم فكيف يكون الحال معكم ؟ إنني أنزلت المنهج الذي يصلح حياة من استخلفته سيدا في الأرض.
وما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( ٣٨سورة الأنعام ).
وكل الدواب دون الإنسان أعطاها الإله الإيمان بالفطرة، وهداها إلى الرزق بالغريزة. وميز الإنسان فوق كل الكائنات بالعقل، ولكن الإنسان يستخدم عقله مرة استخداما سليما صحيحا فيصل إلى الإيمان، ويستخدمه مرة استخداما سيئا فيضل عن الإيمان. كان على الإنسان أن يعلم أنه تعلم محاكاة ما دونه من الكائنات ؛ فقابيل تعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه. ومصمم الطائرات تعلم صناعة الطيران من دراسة الطيور. إذن كان يجب أن يتعلم الإنسان أن له خالقا جعل له من الأجناس ما تخدمه ليطور من حياته ومن رعاية كرامته بعد الموت. والمثال ما قالته نملة لبقية النمل :
حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ( من الآية ١٨ سورة النمل )
إن النمل أمة لها حرس، قالت حارسة منهم هذا القول تحذيرا لبقية النمل.
والله سبحانه يقول :
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( من الآية ٤٤ سورة الإسراء )
إذن فكل أمة من تلك الأمم الكثيرة التي خلقها الله في الكون تسبح بحمده، ولكن لا يفهم أحد لغات تلك الأمم. وأعلمنا الله أنه علم سيدنا سليمان لغات كل الأقوام وكل الأمم المخلوقة لله، ولذلك عندما سمع سيدنا سليمان ما قالته النملة : تبسم ( ضاحكا من قولها ).
وهكذا علمنا أن الله أعطى أذن سليمان عليه السلام ما جعلها تمتلك حاسية التقاط الذبذبة الصادرة من صوت النملة وتفهم ما تعطيه وتؤديه تلك الذبذبة، لذلك تبسم سليمان عليه السلام من قولها ؛ لأن الله علمه منطق تلك الكائنات. ولو علمنا الله منطق هذه الكائنات لفقهنا تسبيحهم لله، ونحن لا نفقه تسبيحهم لأننا لم نتعلم لغتهم. ومثال ذلك – ولله المثل الأعلى – قد يسافر إنسان عربي إلى بلاد تتحدث الإنجليزية وهو يجهل تلك اللغة، فلا يفهم مما يقال شيئا. إذن لو علمك الله منطق الطير، ومنطق الجماد، ومنطق النبات ؛ لعلمت لغاتهم.
ألم يقل الحق سبحانه وتعالى :
وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ( من الآية ٧٩ سورة الأنبياء ).
إن الجماد – الجبال – تسبح مع داود. وكذلك الطير ؛ فها هو ذا الهدهد قد عرف قضية التوحيد، وحز في نفسه أنه رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله :
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ( من الآية ٢٤ سورة النمل ).
إذن فالهدهد قد عرف قضية التوحيد، وعرف أن للشيطان مداخل على الكائن الحي، وعرف أن السجود إنما يكون لله سبحانه وتعالى :
ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء من السماوات والأرض ( من الآية ٢٥ سورة النمل ).
إذن كل الكائنات هي أمم أمثالها. قد يقول قائل : لكن هناك كائنات ليست في السماء ولا في الأرض، مثل الأسماك التي في البحار ؟ نقول : إن الماء ثلاثة أرباع الأرض والسمك يسبح في جزء من الماء الذي هو جزء من الأرض. فهو يسبح في جزء من الأرض، فسبحانه الذي خلق الدواب في الأرض، وخلق الطيور. وخلق الأدنى من هذه الأمم وهداها إلى مصلحتها ومصدر حياتها : الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى .
ونرى العلماء يحاولون الآن اكتشاف لغة الأسماك، اكتشاف كل أسرار مملكة النحل ونظامها، كيف تصير أعشاش النمل مخازن في الصيف لقوت الشتاء. ودرسوا سلوك النمل مع حبة القمح، وكيف تخلع النملة خلايا الإنبات من بذرة القمح، لأن خلايا الإنبات إن دخلت مع حبة القمح إلى مخزن غذاء النمل قد تنبت وتدمر حجر النمل. وهكذا نرى صدق الحق الأعلى.
الذي خلق فسوى ( ٢ ) والذي قدر فهدى ( ٣ ) ( سورة الأعلى ).
وقرون الاستشعار في النملة تثير العلماء ؛ لأن النملة الواحدة ترى على سبيل المثال قطعة السكر، فلا تقربها ولكنها تذهب لاستدعاء جيش من النمل قادر على تحريك قطعة السكر. ووجد العلماء أن وزن الشيء الذي يتغذى به النمل إن زاد على قدرة نملة، فهي تستدعي أعدادا من النمل ليؤدوا المهمة.
وتساءل العلماء : من أين للنمل إذن هذه القدرة على تحديد الكتلة والحجم والوزن ؟ إن تحديد العدد الذي يحمل حجما محددا يثير الغرابة والعجب، فكيف يمكن أن نتصور أن النمل يفرق بين شيئين يتحد حجمهما ويختلف وزنهما ككتلة من حديد وأخرى تماثلها في الحجم من الأسفنج ؟ إن النمل يستدعي لكتلة الحديد أضعاف ما يستدعيه لحمل كتلة الأسفنج مع اتحادهما في الحجم ؛ إنها من قدرة الحق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.
ثم إنك تلتفت إلى الحيوان فتجد الذكر والأنثى، وتجد أن الجمال كله في ذكور الحيوان، بينما لا يكون الأمر كذلك في إناث الحيوان، والكثرة الغالبة هي من الإناث والقلة من الذكور، ولا يقرب الذكر أنثاه إلا في موسم معين، وإلى أن يأتي موسم التلقيح تنصرف الأنثى إلى إعداد العش وتهيئته لما عساه أن يوجد من نتاج، وهذه العملية لحكمة عالية ربما تكون لبقاء نوع الحيوان حين يعين الإنسان في إعمار الأرض.
وفي عالم الطير نجد الطيور تبني العش بفن جميل لاستقبال الفرخ الذي خرج من البيض وتفرش له العش بأنعم الأشياء، إنها تفعل ذلك بإتقان جيد وبصورة ربما يعجز البشر أن يعمل مثلها. ثم نجد في دنيا الحيوان والطير أن الكائن ما إن يبلغ القدرة على الاعتماد على نفسه فلا تعرف الأم ابنها من ابن غيرها. إذن فكل المخلوقات أمم أمثالها أرزاقا وآجالا، وأعمالا، فصدق الله إذ يقول : ما فرطنا في الكتاب من شيء .
وقد يكون المراد من الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولكننا نقول : إنه القرآن، وكل شيء موجود ومذكور أو مطمور في القرآن الكريم. وذكر القرآن، أن هذه الأمم تعرف التوحيد، أنهم يسبحون لله، والعمل المعاصر يكتشف في كل دقيقة حقائق هذا الكون المنظم. ونجد العقل يهدينا إلى أن نوجد أشياء لصالح حياتنا، ولكن عندما نتبع الهوى فإننا نفسد هذا الكون. إن الله – سبحانه – جعل للخادم من دواب الأرض نطاقا للعمل والرزق والأجل بحكم الغريزة، وكذلك جعل للطير، ولكل الكائنات :
ويقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته الكريمة :
ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( من الآية ٣٨ سورة الأنعام )
إذن كل شيء يحشر يوم القيامة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه :( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء١ من الشاة القرناء )٢.
أي أن الحق سبحانه يقتص من الشاة ذات القرون التي نطحت الشاة التي بلا قرون ويعوضها عن الألم الذي أصابها. وبعد أن يأخذ كل كائن من غير الإنس والجن حقه يصير إلى تراب. أما الذين يسمعون ولا يستجيبون فهم المكذبون بالآيات، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى :
والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ( ٣٩ ) .

١ الجلحاء: هي التي لا قرن لها، بعكس القرناء..
٢ رواه مسلم والترمذي وأحمد بن حنبل..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير