قوله عز وجل : وَمَا من دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ دابة بمعنى ما يدب على الأرض من حيوان كله.
وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ يعني في الهواء، جمع بين ما هو على الأرض وفيها وما ارتفع عنها.
إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم في الأمم تأويلان :
أحدهما : أنها الجماعات.
والثاني : أنها الأجناس، قاله الفراء.
وليس يريد بقوله : أَمْثَالُكُم في التكليف كما جعل قوم اشتبه الظاهر عليهم وتعلقوا مع اشتباه الظاهر برواية أبي ذر، قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا ؟ قلت : لا، قال :" لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علماً، لأنه إذا كان العقل سبباً للتكليف كان عدمه لارتفاع التكليف١.
والمراد بقوله : أَمْثَالُكُم وجهان :
أحدهما٢ : أنها أجناس وتتميز في الصور والأسماء.
والثاني : أنها مخلوقة لا تُظْلَم، ومرزوقة لا تحرم.
ثم قال تعالى : ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ٣ فيه تأويلان :
أحدهما : ما تركنا خلقاً إلا أوجبنا له أجلاً، والكتاب هنا هو إيجاب الأجل كما قال تعالى :
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : ٣٨ ] قاله ابن بحر وأنشد لنابغة بني جعدة :
بلغو الملوك وأدركوا ال *** كتاب وانتهى الأجل
والتأويل الثاني : وهو قول الجمهور : أن الكتاب٤ هو القرآن الكريم الذي أنزله، ما أخل فيه بشيء من أمور الدين، إما مُفَصَّلاً يَسْتَغْنِي عن التفسير، أو مجْمَلاً جعل إلى تفسيره سبيلاً.
يحتمل تأويلاً ثالثاً : ما فرطنا فيه بدخول خلل عليه، أو وجود نقص فيه، فكتاب الله سليم من النقص والخلل٥.
ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرْونَ فيه تأويلان :
أحدهما : أن المراد بالحشر الموت، قاله ابن عباس.
والثاني : أن الحشر الجمع لبعث الساعة.
فإن قيل : فإذا كانت٦ غير مُكَلَّفَةٍ فلماذا تبعث يوم القيامة ؟ قيل : ليس التكليف علة البعث، لأن الأطفال والمجانين يبعثون وإن كانوا في الدنيا غير مكلفين، وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم، ثم يجعل ما يشاء منها تراباً، وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه ورؤيته.
٢ - سقط من ق..
٣ - سقط من ق..
٤ - وقيل أيضا الكتاب: اللوح المحفوظ فيه ما يقع من الحوادث.
٥ - سقط من ق..
٦ -إلى الدواب والطير..
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود