نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٠:يجوز نقل همزة حركة الاستفهام إلى لام " قُلْ "، وتُحْذَفُ الهمزةُ تخفيفاً وهي قراءة وَرْشٍ، وهو تسهيل مُطَّرِدٌ، و " أرأيتكم " هذه بمعنى " أخبرني "، ولها أحكامٌ تَخْتَصُّ بها، اضْطَرَبَتْ أقوال الناس فيها، وانتشر خلافُهُمْ، ولا بُدَّ من التَّعَرُّضِ لذلك، فنقول : أرأيت إن كان البصرية، أو العلمية الباقية على معناها، أو التي لإصابة الرئة كقولهم :" رأيْتُ الطَّائِرَ "، أي : أصَبْتُ رئَتَهُ لم يَجُزْ فيها تخفيف الهمزة التي هي عَيْنُهَا، بل تُحَقَّقُ ليس إلاَّ، أو تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ من غير إبدالٍ ولا حذفٍ، ولا يجوز أن تلحقها كافٌ على أنها حرف خطاب، بل إن لحقها كاف كانت ضميراً مفعولاً أوَّل، ويكون مُطَابقاً لما يُرَادُ به من تَذْكِيرٍ وتأنيثٍ، وإفراد وتثنية وجمعٍ، وإذا اتَّصَلَتْ بها تاء الخطاب لزِمَ مُطَابَقتُهَا لما يُرَادُ بها مِمَّا ذُكِرَ، ويكون ضميراً فاعلاً، نحو : أرأيتم، أرأيتما، أرأيتُنَّ، ويدخلها التَّعْلِيقُ والإلْغَاءُ، وإن كانت العِلميَّة التي ضُمِّنَتْ معنى " أخبرني " أختصَّتْ بأحكامٍ أخَرَ.
منها : أنه يجوز تَسْهِيلُ همزتها بإبدالها ألفاً، وهي مَرْويَّةٌ عن نافع من طريق ورشٍ، والنُّحاة يَسْتَضْعِفُون إبدال هذه الهمزةِ ألفاً، بل المشهور عندهم تَسْهِيلُهَا بَيْنَ بَيْنَ، وهي الرواية المشهورة عن نافع، لكنَّهُ قد نَقَلَ الإبدال المَحْض قُطْربٌ وغيرهُ من الللغويين قال بعضهم " هذا غَلَطٌ غُلِّط عليه "، أي : على نافعٍ، وسبب ذلك أنه يُؤدِّي إلى الجَمْعِ بين ساكنين، فإن " الياء " بعدها ساكنة.
ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافعٍ، وغيرهما من أهل " المدينة " أنهم يُسْقِطُونَ الهمزة، ويَدَّعُونَ أن الألف خلفٌ منها.
قال شهابُ الدين : وهذه العبارةُ تُشْعِرُ بأنَّ هذه الألف ليست بدلاً من الهمزة، بل جيءَ بها عِوَضاً عن الهمزة السَّاقِطَةِ.
وقال مَكِّيُّ بْنُ أبي طالب :" وقد روي عن وَرْشٍ إبدالُ الهَمْزَةِ ألفاً ؛ لأن الرِّواية عنه أنه يَمُدَّ الثانية، والمَدُّ لا يتمكن إلاَّ مع البدلِ، وحسَّنَ جوازَ البدلِ في الهمزة وبعدها سَاكِنٌ أنَّ الأوِّل حَرْفُ مدِّ ولينٍ، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقامَ حركةٍ يُتَوصَّلُ بها إلى النُّطْقِ بالساكن ".
وقد تقدَّم شَيءٌ من هذا عند قوله : ءَأَنذَرْتَهُمْ [ البقرة : ٦ ].
ومنها : أن تُحْذَفَ الهمزة التي هي عَيْنُ الكلمة، وبها قرأ الكسائي، وهي فاشية نَظْماً ونَثْراً فمن النظم قوله :[ الرجز ]| أرَيْتَ مَا جَاءَتْ بِهِ أمْلُودا | مُرَجَّلاً وَيَلبسُ البُرُودَا |
| أقَائِلُنَّ أحْضِرُوا الشُّهُودَا | ................. |
وقال الآخر :[ الطويل ]| أرَيْتَكَ إذْ هُنَّا عَلَيْكَ ألَمْ تَخَفْ | رَقِيباً وَحَوْلِي مِنْ عَدُوِّكَ حُضَّرُ |
وأنشد الكسائي لأبي الأسود :[ المتقارب ]
أرَيْتَ امْرَأ كُنْتُ لَمْ أبْلُهُ *** أتَانِي فَقَالَ : اتَّخذنِي خَلِيلاً
وزعم الفرَّاءُ أن هذه اللُّغَةَ لُغَةُ أكثر العربِ. قال :" في أرَأيْتَ لغتان ومعنيان :
أحدهما : أن يسأل الرجل : أرأيت زَيْداً، أي : أعَلِمْتَ، فهذه مهموزة.
وثانيهما : أن تقول : أرأيت بمعنى " أخْبِرْني "، فهاهنا تترك الهمزة إن شِئْتَ، وهو أكثر كلام العرب تُؤمئ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ للفرق بين المَعْنَيَين ". انتهى.
وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه :
أحدها :- وهو الظَّاهر- أنه اسْتُثْقِلَ الجَمْعُ بين همزتين في فعلٍ اتَّصَلَ به ضَمِيرٌ، فَخَفَّفَهُ بإسقاط إحدى الهمزتَيْنِ، وكانت الثانية أولى، لأنها حصل بها الثِّقَلُ ؛ ولأنَّ حذفها ثابِتٌ في مضارع هذا الفعل، نحو : أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأنَّ حذف الأولى يُخِلُّ بالتَّفَاهُمِ، إذ هي للاستفهام.
والثاني : أنه أبْدَلَ الهمزة ألِفاً، كما فعل نَافِعٌ في رواية ورش، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما وهو الألف.
والثالث : أنه أبْدَلَها ياءً، ثم سَكَّنَهَا، ثم حذفها لالتقاء الساكنين، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ، ثم قال :" وقَرَّب ذلك فيها حَذْفُها في مُسْتَقْبَلِ هذا الفعل " يعني في يرى وبابه، ورجَّحَ بعضهم مذهبَ الكسائي بأن الهَمْزَةَ قد اجترِئ عليها بالحذف، وأنشد :[ الرجز ]| إنْ لَمْ أقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا | ................. |
وأنشد لأبي الأسود :[ الكامل ]| يَا بَا المُغيرةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ | فَرَّجْتُهُ بِالمَكْرِ مِنَّي وَالدَّهَا |
[ وقولهم :" وَيْلُمِّهِ " ].
وقوله :[ البسيط ]| وَيْلُمِّهَا خُلَّةً قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا | فَجْعٌ وَوَلْعٌ وإخلافٌ وتَبْدِيلُ |
وأنشد أيضاً :[ الوافر ]| وَمَنْ رَا مِثْلَ مَعْدَانَ بْنِ سَعْدٍ | إذَا مَا النِّسْعُ طَالَ عَلَى المَطِيِّه |
أي : ومَنْ رأى.
ومنها : أنه لا يَدْخُلُهَا تَعْلِيقٌ، ولا إلغَاءٌ ؛ لأنها [ بمعنى ] " أخبرني " و " أخبرني " لا يُعَلَّقُ عند الجمهور.
قال سيبويه :" وتقولُ : أرأيتك زَيْداً أبو مَنْ هو ؟ لا يَحْسُنُ فيه إلاَّ النَّصْبُ في " زيد "، ألا ترى أنَّك لو قلت :" أرأيت أبو مَنْ أنت ؟ " لم يَحْسُنْ ؛ لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وصار الاستفهامُ في موضع المفعول الثاني " وقد خالف سيبويه غَيْرُهُ من النحويين، وقالوا : كثيراً ما تُعَلَّق " أرأيت " وفي القرآن من ذلك كثيرٌ، واسْتَدَلُّوا بهذه الآية التي نَحْنُ فيها، وبقوله : أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَم [ العلق : ١٣، ١٤ ]، وبقوله :| أرَيْتَ مَا جَاءْتُ بِهِ أمْلُودَا | ................... |
وهذا لا يرد على سيبويه، وسيأتي تأويل ذلك قريباً.
ومنها : أنها تَلْحَقُهَا " التاء " فَيُلْتَزَمُ إفْرَادُهَا وتذكيرها، ويُسْتَغْنَى عن لحاقِ علامة الفُرُوعٍ بها بِلحاقِهَا بالكافِ، بخلاف التي لم تُضَمَّنْ معنى " أخبرني " فإنها تُطَابِقُ فيها، كما تقدَّم ما يُرادُ بها.
ومنها : أنه يلحقها " كاف " هي حرف خطابٍ تُطابقُ ما يُرَادُ بها من إفرادٍ وتذكير وضِدَّيهما، وهل هذه " التَّاء " فاعل، و " الكاف " حرف خطاب [ تبيِّن أحوال التاء، كما تبينه إذا كانت ضميراً، أو التاء حرف خطاب ] و " الكاف " هي الفاعل، واسْتُعِيرَ ضَمِيرُ النَّصْبِ في مكان ضمير الرفع، أو " التاء " فاعلٌ أيضاً، و " الكاف " ضمير في موضع المفعول الأول ؟
ثلاثةُ مذاهب مشهورة، الأوَّل : قول البصريين، والثاني : قول الفراء، والثالث : قول الكسائي، ولنَقْتَصِرْ على بعض أدلَّةِ كُلِّ فريق.
قال أبو علي :" قولهم :" أرَأيْتَكَ زَيْداً ما فعل " بفتح " التاء " في جميع الأحوال، فالكافُ لا يخلو أن يكون للخطاب مُجَرَّداً، ومعنى الاسمية مَخْلُوعٌ منه، أو يكون دالاً على الاسم مع دلالتهِ على الخطابِ، ولو كان اسْماً لوجب أن يكُون الاسْمُ الذي بعده هو هو ؛ لأن هذه الأفعال مفعولها الثَّاني هو الأوَّل في المعنى، لكنه ليس به، فتعيَّن أن يكون مَخْلُوعاً منه الاسميَّةُ، وإذا ثبت أنه للخطَابِ مُعَرى من الاسمية ثَبَت أن " التاء " لا تكون لِمُجرَّدِ الخطابِ، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يَلْحَقَ الكَلِمَة علامتَا خطاب، كما لا يحلقها علامتا تأنيث ولا علامتَا استفهامٍ، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك أفرِدَت " التاءُ " في جميع الأحْوَالِ لمَّا كان الفِعْلُ لا بُدَّ من فاعلٍ، وجُعِلَ في جميع الأحْوَالِ على لَفْظٍ واحد اسْتِغْنَاءً بما يَلْحَقُ " الكاف "، ولو لحق " التاء " علامةُ الفروع لاجتمع علامتَانِ للخطاب مما كان يَلْحَقُ " التاء "، وممَّا كان يلحق " الكاف "، فلما كان ذلك يُؤدِّي إلى ما لا نَظِيرَ له رُفِضَ، وأجْرِي على ما عليه سِائِرُ كلامهم ".
وقال الزَّجَّاج بعد حكايته مَذْهَبَ الفراء :" وهذا القَوْلُ لم يَقْبَلُهُ النحويون القُدَمَاءُ وهو خَطَأٌ ؛ لأنَّ قولك :" أرأيت زَيْداً ما شأنه " لو تعدَّتِ الرؤية إلى " الكاف " وإلى زيد لصار المعنى : أرَأتْ نَفْسُكَ زيداً ما شأنُهُ وهذا مُحَالٌ " ثم ذكر مذهب البصريين.
وقال مكِّي بن أبي طالبٍ بعد حكايته مَذْهَبَ الفرَّاءِ :" وهذا مُحَالٌ، لأنَّ " التاء " هي " الكاف " في " أرأيتكم "، فكان يجب أن تُظْهَرَ علامةُ جمع " التاء " وكان يجب أن يكون فاعلان لفعلٍ واحدٍ وهما لِشَيءٍ واحد، ويجب أن يكون معنى قولك :" أرأيتك زَيْداً ما صَنَعَ " : أرأيْتَ نَفْسَكَ زَيْداً ما صنع ؛ لأن " الكاف " هو المُخَاطَبُ، وهذا مُحَالٌ في المعنى، ومُتَنَاقِضٌ في الإعراب والمعنى ؛ لأنك تَسْتَفْهِمُ عن نفسه في صَدْرِ السُّؤال، ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره وتخاطبه أولاً، ثم تأتي بغائبٍ آخر، أو لأنه يَصِيرُ ثلاثة مفعولين ل " رأيت "، وهذا كله لا يَجُوزُ. ولو قلت :" أرأيتك عالماً بزيد " لكان كلاماً صحيحاً، وقد تعدَّى " رأى " إلى مفعولين ".
وقال أبو البقاء بعدما حكى مذهب البصريين :" والدَّليلُ على ذلك أنها - أي " الكاف " - لو كانت اسْماً لكانت : إمَّا مَجْرُورةً - وهو باطلٌ إذ لا جارَّ هنا - وإمَّا مَرْفُوعَةٌ، وهو باطِلٌ أيضاً لأمرين :
أحدهما : أن " الكاف " ليست من ضمائر الرفع.
والثاني : أنها لا رَافِع لها ؛ إذا ليست فاعلاً ؛ لأن " التاء " فاعل، ولا يكون لفعل واحدٍ فاعلان، وإمَّا أن تكون مَنْصُوبةً، وذلك باطلٌ لثلاثة أوجه :
أحدها : أن هذا الفِعْلَ يتعدَّى إلى مَفْعُولينِ كقولك :" أرأيت زيداً ما فعلَ " فلو جعلت " الكاف " مفعولاً لكان ثالثاً.
والثاني : أنه لو كان مَفْعُولاً لكان هو الفاعل في المَعْنَى، وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغَرَضُ أرأيت نفسك، بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت : أرأيتك زيداً وزيد غير المُخَاطَبِ، ولا هو بدل منه.
والثالث : أنه لو كان مَنْصُوباً على أنه مَفْعُولٌ لظَهَرتْ علامةُ التثنية والجمع والتَّأنيث في " التاء " فكنت تقول : أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكنَّ ". ثم ذكر مَذْهَبَ الفرَّاءِ ثم قال :" وفيما ذكرنا إبطالٌ لمذهبه ".
وقد انْتَصَرَ أبو بكر بن الأنْبَاريّ لمذهب الفرَّاء بأن قال :" لو كانت " الكافُ " توكيداً لوقَعت التَّثْنِيَةُ والجمع بالتاء، كما يَقَعَانَ بها عند عدم " الكاف "، فلمَّا فُتِحت " التاءُ " في خِطَابِ الجَمْعِ ووقع مِيْسَمُ الجمع لغيرها كان ذلك دَلِيلاً على أن " الكاف " غيرُ توكيد.
ألا ترى أن " الكاف " لو سَقَطَتْ لم يَصلُحْ أن يُقالَ لجماعة : أرأيت، فوضحَ بهذا انْصِرَافُ الفِعْلِ إلى " الكاف "، وأنها واجبةٌ لازَمَةٌ مُفْتَقَرٌ إليها ".
وهذا الذي قاله أبُو بَكْرٍ بَاطِلٌ بالكاف اللاحِقَةِ لاسم الإشارة، فإنه