تفسير المفردات : يكشف : أي يزيل ما تدعونه إلى كشفه إن شاء.
المعنى الجملي : بعد أن ببن سبحانه للمشركين أن علمه محيط بما في الأرض والسماء، وأن عنايته تعم كل ما درج على الأرض أو طار في الهواء، وأن أمم الحيوان متشابهة لأمم الإنسان، وقد أوتيت من الإلهام والمعرفة ما تميز به بين ما ينفعها وما يضرها.
أمر نبيه أن يوجه إليهم هذا السؤال مذكرا لهم بما أودع في فطرتهم من توحيده عز اسمه ليعلموا أن ما تقلدوه من الشرك عارض شاغل يفسد أذهانهم وقت الرخاء، وارتفاع اللأواء، حتى إذا جد الجد ونزل بهم ما لا يطاق حمله من الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وضل عنهم ما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان. وما وضعوا رمزا له من ملك أو إنسان.
ثم أجاب عن ذلك بقوله : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون .
الإيضاح : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون أي ما أنتم المشركون بالله الآلهة والأنداد إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة بمستجيرين بشيء غير الله من وثن أو صنم إذا اشتد بكم الهول، بل تدعونه وحده، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون، دون كل شيء غيره فيفرج عنكم ويزيل البلاء عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه إن شاء ذلك، لأنه وحده القادر على كل شيء، المالك لكل شيء دون ما تدعونه إلها من صنم أو وثن، لأن الفزع إليه سبحانه عند الشدائد مما ركز في فطرة البشر تنبعث إليه بذاتها كما تنبعث إلى الماء عند العطش، فلا يذهب به ما يتلقى بالتعليم الباطل من مسائل الدين، فهم به يجنون على غريزة التوجه إلى خالقهم وخالق العالم كله بما يتخذونه من الأنداد والأولياء والشفعاء الذين يتوجهون إليهم كما يتوجهون إلى الله ويحبونهم كحب الله.
وما منشأ ذلك التقديس إلا اعتقاد القدرة على النفع والضر من غير طريق الأسباب المعروفة، لكنهم عند الشدائد وتراكم الأهوال والكروب ينسونهم ويدعون الله وحده.
ولهذا الحب والتعظيم ثلاث درجات :
أعرقها في الجهل أن يعتقد المرء في شيء من المخلوقات أنه إله ينفع ويضر بذاته فيتوجه إليه ويدعوه ويتضرع إليه.
المرتبة الوسطى أن يعتقد أن الإله قد حل في بعض المخلوقات واتحد بها كما تحل الروح في البدن وتدبره. فيكونان شيئا واحدا.
أضعف درجاته أن يعتقد أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، المتصرف في كل شيء، ولكن له وسطاء بينه وبين عباده يقربونهم إليه زلفى ويشفعون لهم عنده، فهو لأجلهم يعطي ويمنع ويضر وينفع، وهذه هي الدرجة التي كان عليها مشركو قريش، فقد حكى الله عنهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ الزمر : ٣ ] هؤلاء شفعاؤنا عند الله [ يونس : ١٨ ].
والتوحيد الخالص هو الإيمان بأن الله يفعل ما يشاء ويختار، وأن جميع الخلق مسخرون لإرادته وتدبيره، خاضعون لسننه وتقديره، لا يملك أحد منهم لنفسه ولا لغيره شيئا إلا في دائرة الأسباب التي شرعها لعباده، وأن الوساطة بينه وبين عباده محصورة في تبليغ الرسول رسالته إليهم دون تصرفه فيهم وأن شفاعة الآخرة لله وحده يأذن بها إن شاء لمن شاء ممن ارتضى، يرشد إلى ذلك قوله تعالى لخاتم رسله : ليس لك من الأمر شيء [ آل عمران : ١٢٨ ] وقوله : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله [ الأعراف : ١٨٨ ] وقوله : قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا٢٢ إلا بلاغا من الله ورسالته [ الجن : ٢٢ : ٢٣ ].
وقد بين سبحانه : أن تلك الوساطة الشركية تنسى عند اشتداد الكروب والأهوال فقال : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون [ العنكبوت : ٦٥ ] قال : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور [ لقمان : ٣٢ ].
تفسير المراغي
المراغي