فلما نسوا ما ذكروا به أي : تركوا الاتعاظ بما ذُكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، فتحنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبَتي الضراء والسراء، وامتحانًا لهم بالشدة والرخاء، إلزامًا للحجة وإزاحة للعلة، أو مكرًا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :" مُكر بالقوم ورب الكعبة ". حتى إذا فرحوا أي : أعجبوا بما أوتوا من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، أخذناهم بغتة أي : فجأة فإذا هم مبسلون مُتحيرون آيسون من كل خير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : المقصود من إظهار النقم الظاهرة ؛ ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. " أنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهم مِن أجلي ". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، تُوجب نعمًا غزيرة، فإذا قسَت القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاءً ونقمة وطردًا وبُعدًا. فإنَّ ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها : ما يكون أدبًا وكفارة، ومنها : زيادة وترقية، ومنها : ما يكون عقوبة وطردًا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبًا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخِط كان طردًا وبُعدًا. أعاذنا الله من موارد النقم.