مبلسون : يائسون من النجاة، ولعلها بمعنى أنهم ضاعت عليهم.
في الآيات تقدير وتذكير بما كان من أمر الأمم السابقة، فقد أرسل الله تعالى إليها رسله بالبينات والمواعظ فلم تستجب ولم تتعظ. فأخذها الله بشيء من الشدة في الأموال والأنفس والأجسام لعلها تتضرع إليه وتذكره فلم تفعل. وظلت سادرة في غيها متبعة لتزيينات الشيطان لما هي عليه من ضلال. وزاد الله في امتحانهم فآتاهم اليسر بعد العسر والفرح بعد الشدة ففرحوا وازدادوا نسيانا لله وانصرافا عن دعوة رسله ومواعظهم. وحينئذ فاجأهم بعذابه وبلائه فانقطع دابر الظالمين وضاعت عليهم فرصة النجاة والإنابة إلى الله التي تهيأت لهم.
والآيات متصلة بالسياق ومعقبة عليه كما هو المتبادر، وقد جاءت جريا على الأسلوب القرآني في التذكير بالأمم السابقة عقب حكاية مواقف كفار العرب وعنادهم بسبيل إنذار هؤلاء الكفار بأنهم أمام امتحان رباني، فلا يغتروا بما هم فيه من مال وسلامة ووفرة، ولا يستمعوا إلى وساوس الشيطان فيقعوا فيما وقع فيه من قبلهم.
والآيات إلى هذا احتوت تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتطمينا لقلبه وبشرى له بأن الله قاطع دابر الظالمين، وأن ما هم فيه من رغد ورخاء ليس إلا امتحانا ربانيا.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإن فيها تنبيها عاما شاملا لكل زمن ومكان إلى وجوب ذكر الله وتجنب غضبه وإتباع آياته وأوامره في كل حال، وعدم الاغترار ببسمات الدهر ونسيان الله فيها.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية الثانية بعد أن قالوا إنها من قبيل الاستدراج والإمهال حديثا رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا الآية )١. وهناك حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )٢. وفي الأحاديث توضيح وتحذير نبوي متساوقان مع مدى الآيات كما هو واضح. وننبه على أن سورتي الأعراف والقلم اللتين مر تفسيرهما آيات فيها توضيح أكثر صراحة وهما الآيتان [ ١٧٣ و ١٧٤ ] في الأعراف و [ ٤٤ و ٤٥ ] في القلم.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ( ١ ) ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( ٢ ) ( ٤٦ ) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ( ٤٧ ) [ ٤٦ – ٤٧ ].
في الآيتين أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال الكفار عما إذا كان غير الله يستطيع أن يرد عليهم سمعهم وأبصارهم وعقولهم إذا ما طرأت عليها الطوارئ فذهبت بها، وعما إذا كانوا يظنون أن الله تعالى إذا أرسل عذابه عليهم فجأة بدون مقدمة، أو جهرة بعد مقدمات هل يمكن أن يهلك به غير الظالمين الباغين حتى يقفوا هذا الموقف الظالم الباغي الذي فيه اغترار وطمأنينة إلى الدهر. والفقرة الثانية من الآية الأولى جاءت معقبة ومنددة، فالله تعالى يضرب لهم الأمثال ويبين لهم الحقائق بأساليب متنوعة في آياته ولكنهم يعرضون عنها.
والآيتان استمرار للسياق بسبيل إنذار الكفار والتنديد بهم والتعقيب على مواقفهم المحكية كما هو المتبادر وفي السؤالين اللذين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيههما إلى الكفار واللذين لا شك في أنه وجههما مقرعا منددا إفحام وإلزام قويان مستمدان من عقيدة المشركين التي حكتها آيات سابقة بكون الله تعالى هو المتصرف المطلق وحده في الكون، وهو وحده الذي يكشف الضر ويدفع البلاء.
وفي الفقرة الأخيرة من الآية الثانية نص من النصوص القرآنية الحاسمة التي تكررت كثيرا بأن عذاب الله إنما يحيق بالظالمين بسبب ظلمهم، أي إجرامهم وعصيانهم وبغيهم
التفسير الحديث
دروزة