ومعنى قوله : فلما نسوا أي : تركوا وأعرضوا عما ذكروا به من البأساء والضراء، حولنا لهم البؤس إلى نعمة فتحنا عليهم أبواب كل شيء قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا الشامي – أعني ابن عامر *** : فتحنا بتخفيف التاء. وقرأه ابن عامر من السبعة فتحنا بتشديد التاء.
وقوله : عليهم أبواب كل شيء في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم : كيف قال الله : فتحنا عليهم أبواب كل شيء وهو أصدق من يقول، مع أن كثيرا من الأشياء لم تفتح عليهم أبوابه، لم تفتح عليهم أبواب الهدى، ولا أبواب التوفيق، ولا أبواب طاعة الله، ولا أبواب خيرات الجنة. ويصدق عليها اسم ( الشيء ) ؟
وللعلماء عن هذا جوابان :
أحدهما : ما قاله بعض العلماء أن المعنى : فتحنا عليهم أبواب كل شيء مما كنا أغلقناه عليهم أيام الابتلاء بالشر. يعني فتحنا لهم أبواب الصحة وقد كانت مغلقة أيام المرض، وفتحنا لهم أبواب الغنى بعد أن كانت مغلقة أيام الامتحان بالشر وهكذا.
الوجه الثاني : أن هذا من العام المخصوص، وجرت العادة في القرآن بأن يذكر الله ( كل شيء ) وهو يراد به أنه عام مخصوص. كقوله في بلقيس : وأوتيت من كل شيء [ النمل : آية ٢٣ ] مع أن بعض الأشياء لم تؤته بلقيس. وكقوله في مكة المكرمة حرسها الله : حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شيء [ القصص : آية ٥٧ ] مع أن بعض الثمار لا يجبى إليها. فهذا من العام المخصوص، وهو أسلوب عربي معروف، وتذكر العرب مثل هذا تقصد به الأغلبية. وهذا معنى قوله : فتحنا عليهم أبواب كل شيء .
حتى إذا فرحوا بما أوتوا [ الأنعام : آية ٤٤ ] يعني ولم يزل ذلك الفتح ممتدا إلى غاية، هي كونهم فرحوا بما أوتوا. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي : ما أعطوا من الصحة بدل المرض، ومن الغنى بدل الفقر، ومن الري والشبع بدل الجوع، فرحوا بهذا فرح أشر وبطر، لأنه ما كل فرح مذموم ؛ لأن الفرح المذموم : هو الفرح بالدنيا المحضة، والأشر والبطر، لا من حيث أنها تقرب إلى الله ولا ترضيه. هذا الفرح المذموم المصحوب بالأشر والبطر، وعندما فعلوه أهلكهم الله. وهذا هو الذي ذم الله به الإنسان بقوله : إنه لفرح فخور [ هود : آية ١٠ ] أما الفرح بالخير، والفرح بالدين ومعرفة القرآن فهذا أمر مطلوب من كل مسلم، كما نص الله على ذلك آمرا به بالسورة الكريمة – سورة يونس – حيث قال : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ يونس : آية ٥٨ ] ولام الأمر في قوله : فليفرحوا تدل على أن ذلك النوع من الفرح مأمور به من الله. والأمر إن تجرد من القرائن اقتضى الوجوب، كما هو معروف في فن الأصول.
وقوله هنا : فرحوا بما أوتوا أي : بما أعطوا من الصحة، والعافية، والغنى، والأموال، والدعة، والراحة، فرح بطر وأشر، حتى إذا حصل فيهم ذلك : أخذناهم بغتة قدمنا أن ( الأخذ ) إذا أسند إلى الله هو الأخذ بقوة وشدة. كما قال : إن أخذه أليم شديد [ هود : آية ١٠٢ ].
وقوله : بغتة مصدر منكر بمعنى الحال. ومعنى البغتة : الفجأة. وذلك أشد ما يؤخذ به الإنسان ؛ لأنه إذا علم بالعذاب قبل نزوله يكون متجلدا مستعدا. أما إذا بغته قبل استعداد له فهذا أشد وأنكى ؛ ولأجل هذا بعينه أخبر الله المؤمنين بالبلايا التي ترد عليهم قبل أن تقع ؛ ليكونوا مستعدين لها، ولئلا تفاجئهم. حيث قال لهم : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [ البقرة : آية ١٥٥ ] أخبرهم بأن الابتلاء سيأتيهم ؛ لئلا يباغتهم، ويكونوا مستعدين له قبل نزوله، ولذا قال : أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( الفاء ) فاء السببية، و ( إذا ) هي الفجائية، و ( المبلسون ) : جمع المبلس، والمبلس : اسم فاعل الإبلاس. و ( الإبلاس ) في لغة العرب يطلق على معان متقاربة، هو في الحقيقة يرادف الوجوم، والوجوم هو : أن يكون الإنسان ساكتا منقطعا لا يقدر أن يتكلم ؛ لشدة اليأس من الخلاص من البلايا والدواهي التي وقع فيها. ومعنى مبلسون : آيسون قانطون مما وقعوا فيه من عذاب الله – والعياذ بالله – إياسا وقنوطا يمنعهم من أن يتكلموا. فمعناه : ساكتون لا يحيرون جوابا من شدة اليأس والقنوط مما نزل بهم – والعياذ بالله – وكل من دهاه أمر فتحير غير قادر أن يتكلم لشدة الأمر الذي دهاه تقول له العرب :( أبلس ). وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول رؤبة بن العجاج في رجزه :
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا *** قال : نعم أعرفه وأبلسا
أي : تحير مندهشا لا يقدر أن يتكلم. وهذا معنى قوله : فإذا هم مبلسون .
قال بعض العلماء : اشتقاق ( إبليس ) من ( الإبلاس )، وهو اليأس الشديد، والقنوط من الخير، حتى يبقى صاحبه ساكتا لا يحير جوابا.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير