ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧١:المقصود من هذه الآية الرَّدُّ على عبدةِ الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ [ الأنعام : ٥٦ ].
فقوله : أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ أي : أنعبد من دون الله النَّافِعِ الضَّارِّ ما لا يَقْدرُ على نَفْعِنَا إن عبدناهُ، ولا على ضرنا إن تركناه.
قوله :" أنّدْعُوا " استفهام توبيخ وإنكار، والجملة في مَحَلِّ نصب بالقول، و " ما " مفعولة ب " ندعوا "، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، و مِن دُونِ اللَّهِ متعلِّقٌ ب " ندعوا ".
قال أبو البقاء(١) :" ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في " يَنْفَعُنَا " ولا معمولاً ل " يَنْفَعُنَا " لتقدُّمهِ على " ما "، والصلة والصفة لا تَعْملُ فيما قبل الموصول والموصوف.
قوله :" من الضمير في يَنْفعنَا " يعني به المرفوع العائد على " ما " وقوله :" لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف " يعني : أن " ما " لا تخرج عن هذين القسمين ولكن يجوز أن يكون " من دون " حالاً من " ما " نفسها على قوله ؛ إذ لم يجعل المانع من جعله حالاً من ضميره الذي في " يَنْفَعُنَا " إلاَّ صِناعِياً لا معنوياً، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى أنه إذا جازَ أن يكون حالاً من ظاهره، جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مَانِعٌ.

قوله :" ونُرَدُّ " فيه وجهان :

أظهرهما : أنه نَسَقٌ على " نَدْعُوا " فهو داخل في حيِّز الاستفهام المُتَسَلِّطِ عليه القَوْلُ.
الثاني : أنه حالٌ على إضمار مبتدأ ؛ أي : ونحن نُرَدُّ.
قال أبو حيَّان(٢) بعد نقله هنا عن أبي البقاء :" وهو ضعيف لإضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكّدة "، وفي كونها مؤكدة نظرٌ ؛ لأن المؤكدة ما فهم معناها من الأوَّلِ، وكأنه يقول : من لازم الدعاء " من دون الله " الارتداد على العقب.
قوله :" عَلى أعْقَابِنَا " فيه وجهان :
أحدهما : أنه معلّق ب " نُرَدُّ ".
والثاني : أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حال من مرفوع " نرد " أي : نرد راجعين على أعْقابنا، أو منقلبين، أو متأخرين كذا قدَّرُوهُ، وهو تفسير معنى ؛ إذا المُقَدَّرُ في مثله كونٌ مُطلقٌ، وهذا يحتمل أن يقال فيه : إنه حال مؤكدة، و " بعد إذ " مُتعلِّقٌ ب " نُرَدُّ ".
[ ومعنى الآية : ونرد على أعقابنا إلى الشِّرْكِ مرتدين بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام.
يقال لكل من أعْرَضَ عن الحق إلى الباطل : إنه رجع إلى خَلْفٍ، ورجع على عَقِبَيْهِ، ورجع القَهْقَرى ؛ لأن الأصل في الإنسان الجَهْلُ ثم يترقى ويتعلم حتى يتكامل، ويحصل له العلم.
قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [ النحل : ٧٨ ] فإذا رجع من العِلْمِ إلى الجَهْلِ مرة أخرى، فكأنه رجع إلى أوَّل أمره، فلهذا السبب يقال : فلان رُدَّ على عقبيه ](٣).
قوله كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ في هذه الكاف وجهان :
أحدهما : أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوف ؛ أي : نُرَدُّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين.
الثاني : في مَحَلّ نصب على الحال من مرفوع " نرد "، أي : نرد مُشْبهينَ الذي استهوته الشياطين، فمن جوَّز تعدُّدَ الحالِ جعلها حالاً ثانية، إن جعل " على أعقابنا " حالاً، ومن لم يُجَوِّزْ ذلك جعل هذه الحال بدلاً من الحال الأولى، أو لم يجعل على أعقابنا حالاً، بل معلّقاً ب " نرد ". الجمهور على(٤) " اسْتهْوتْهُ " بتاء التأنيث، وحمزة(٥) " اسْتَهْوَاهُ " وهو على قاعدته من الإمالة، والوجهان معروفان مما تقدم في تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [ الأنعام : ٦١ ] وقرأ(٦) أبو عبد الرحمان والأعمش :" اسْتَهْوَتْهُ الشَّيْطانُ " بتأنيث الفعل، والشيطان مفرداً.
قال الكسائي(٧) :" وهي كذلك في مصحف ابن مسعود "، وتوجيه هذه القراءة أنَّا نُؤوِّل المذكر بمؤنث كقولهم :" أتته كتابي فاحتقرها " ؛ أي : صحيفتي، وتقدَّم له نظائر.
وقرأ الحسن البصري(٨) :" الشَّيَاطُون " وجعلوها لَحْناً، ولا تَصِلُ إلى اللَّحْنِ، إلا أنها لُغَيّةٌ رديئة، سُمِع : حول بستان فلان بساتون وله سلاطون، ويُحْكَى أنه لما حكيت قراءة الحسن لَحَّنَهُ بعضهم، فقال الفراء(٩) :" أي والله يُلحِّنُون الشيخ، ويستشهدون بقول رؤبة ". ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك.
والمراد ب " الَّذي " الجِنْسُ، ويحتمل أن يراد به الواحد الفَذُّ.
قوله :" في الأرْضِ " فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه مُتعلِّق بقوله :" اسْتَهْوتْهُ ".
الثاني : أنه حالٌ من مفعول " اسْتَهْوَتْهُ ".
الثالث : أنه حالٌ من " حيران ".
الرابع : أنه حالٌ من الضمير المُسْتَكِنّ في " حيران "، و " حيران " حال إما من " هاء " " استهوته " على أنها بدلٌ من الأولى، وعند من يجيز تعدُّدَهَا، وإما من " الَّذِي "، وإما من الضمير المستكن في الظرف، و " حيران " مؤنثه " حيرى "، فلذلك لم يَنْصَرِفُ، والفعل حَارَ يَحَارُ حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورةً، و " الحيران " المُتَرَدِّدُ في الأمر لا يهتدي إلى مَخْرَجٍ.
وفي اشتقاق " اسْتَهْوَتْهُ " قولان :
الأول : أنه مشتق من الهُوِيِّ في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة [ السافلة ](١٠) العميقة [ في قعر الأرض ](١١) فشبه الله تعالى حال هذا الضَّالِّ به، كقوله : وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ [ الحج : ٣١ ] ولا شك أن الإنسان حال هُويِّهِ من المكان العالي إلى الوهْدةِ العميقة يكون في غايةِ الاضْطرابِ والدهشة والحيرةِ.
والثاني : أنه مُشْتَقٌ من اتِّباعِ الهَوَى والميل، فإنه من كان كذلك، فإنه ربما بلغ النهاية في الحَيْرَةِ.
واعلم أن هذا المثل في غاية الحُسْنِ ؛ لأن الذي يَهْوِي من المكان العالي إلى الوَهْدَةِ العميقة، يحصل له كمال التَّرَدُّدِ والدهشة والحيرة ؛ لأنه لا يعرف أي موضع يزداد بلاَؤهُ بسبب سقوطه عليه أو يَقِلُّ(١٢).
قوله " لَهُ أصْحَابٌ " جملة في مَحَلّ نصب صفة ل " حيران "، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في " حيران "، وأن تكون مستأنفة(١٣)، و " إلى الهدى " متعلقة ب " يدعونه "، وفي مصحف ابن مسعود وقراءته :" أتينا " بصيغة الماضي، و " إلى الهدى " على هذه القراءة متعلّق به، وعلى قراءة الجمهور، فالجملة الأمرية في محل نصب بقول مضمر أي يقولون : ائتنا والقول المضمر في محل صفة لأصحاب وكذلك " يدعونه ". قالوا : نزلت هذه الآية في عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أبَاهُ إلى الكُفْرِ، وأبوه يدعوه إلى الإيمان.
وقيل : المراد أن لذلك الكافر الضَّالِّ أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضَّلالِ، ويسمونه بأنه هو الهدى، والصحيح الأوَّل.
ثم قال تعالى : إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى يَزْجُرُ بذلك عن عبادة الأصنام، كأنه يقول : لا تفعل ذلك، فإن الهُدَى هُدَى الله لا هادي غيره. قوله :" وأمِرْنَا لِنُسْلِمَ " في هذه " اللام " أقوال :
أحدها : وهو مذهب سيبويه(١٤) أن هذه اللام بعد الإرادة والأمر وشبههما مُتعلِّقةٌ بمحذوف على أنها خبر للمبتدأ، وذلك المبتدأ هو مصدرٌ من ذلك الفعل المتقدم، فإذا قلت : أردت لتقوم وأمرت زيداً ليذهب، كان التقدير : الإرادة للقيام، والأمر للذَّهاب، كذا نقل أبو حيَّان(١٥) ذلك عن سيبويه وأصحابه، وفيه ضَعْفٌ تقدَّم في سورة النساء عند قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
[ النساء : ٢٦ ].
الثاني : أن مفعول الأمر والإرادة محذوف، وتقديره : وأمرنا بالإخلاص لنسلم.
الثالث : قال الزمخشري(١٦) : هي تَعْلِيلٌ للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم.
الرابع : أن " اللام " زائدة ؛ أي : أمرنا أن نسلم.
الخامس : أنها بمعنى " الباء " أي بأن نسلم.
السادس : أن " اللام " وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع " أن " أي : أنهما مُتعاقِبَانِ، فتقول : أمرتك لتقوم، وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين.
وقال ابن عطية(١٧) : ومذهب سبيويه أن " لِنُسْلِمَ " في موضع المفعول، وأن قولك : أمرت لأقوم وأن أقوم بجريان سواءً وقال الشاعر :[ الطويل ]

أُرِيدُ لأنْسَى حُبَّهَا فَكَأنَّمَا تَمثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ طَرِيقِ(١٨)
وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه ما تقدَّم تحقيقه في " سورة النساء ".

قوله " وأنْ أقِيمُوا " فيه أقوال :

أحدها : أنها في مَحَلِّ نصب بالقول نَسَقاً على قوله : إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى أي : قل هذين الشيئين.
والثاني : أنه نَسَقٌ على " لنسلم " أي : وأمرنا بكذا للإسلام، ولنقيم الصلاة، و " أن " تُوصل بالأمر كقولهم : كتب إليه بأن قم، حكاه سيبويه(١٩) وهذا رَأيُ الزَّجَّاج(٢٠).
والثالث : أنه نَسَقٌ على " ائْتِنَا " قال مكي(٢١) : لأن معناه :" أن ائتنا "، وهو غير ظاهر.
والرابع : أنه مَعْطُوفٌ على مفعول الأمر المقدر، والتقدير : وأمرنا بالإيمان، وبإقامة الصلاة قاله ابن عطية(٢٢).
قال أبو حيَّان(٢٣) : وهذا لا بأس به، إذ لا بُدَّ من تقدير المفعول الثاني ل " أمرنا " ويجوز حذف المعطوف عليه لِفَهْمِ المعنى ؛ تقول : أضَرَبْتَ زيداً ؟ فتجيب نعم وعمراً ؛ التقدير : ضربته وعمراً.
وقد أجاز الفراء :" جاءني الذي وزيد قائمان "، التقدير : الذي هو وزيد قائمان، فحذف " هو " لدلالة المعنى عليه، وهذا الذي قاله أنه لا بأس به ليس من أصول البصريين.
و " أما نعم وعمراً " فلا دلالة فيه ؛ لأن " نعم " قامت مقام الجملة المحذوفة.
وقال مكي(٢٤) قريباً من هذا القول، إلاَّ أنه لم يُصَرِّحْ بحذف المعطوف عليه، فإنه قال : و " أن " في موضع نَصْب بحذف الجار‍ِّ، تقديره : وبأنْ أقيموا، فقوله : وبأن أقيموا هو معنى قول ابن عطية، إلاَّ أن ذلك [ أوضحه ](٢٥) بحذف المعطوف عليه.
وقال الزمخشري(٢٦) : فإن قلت : علام عطف قوله :" وأن أقيموا " ؟ قلت : على موضع " لنسلم " كأنه قيل : وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا.
قال أبو حيَّان(٢٧) : وظاهر هذا التقدير أن " لنسلم " في موضع المفعُولِ الثاني ل " أمرنا " وعطف عليه :" وأن أقيموا " فتكون اللام على هذا زَائِدَةً، وكان قد تقدَّم قبل هذا أن " اللام " تعليل للأمر، فتناقض كلامه ؛ لأن ما يكون عِلَّةً يستحيل أن يكون مفعولاً، ويدلُّ على أنه أراد بقوله :" أن نسلم " في موضع المفعول الثاني قوله بعد ذلك : ويجوز أن يكون التقدير : وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة الصلاة، وهذا قول الزَّجَّاجِ، فلو لم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأوَّل لاتَّحَدَ قَوْلاَهُ، وذلك خُلْفٌ.
قال الزَّجَّاج(٢٨) :" أن أقيموا " عطف على قوله :" لنسلم "، تقديره : وأمرنا لأن نسلم، وأن أقيموا.
قال ابن عطية(٢٩) : واللَّفْظُ يُمانِعُهُ، لأن " نسلم " معرب، و " أقيموا " مبني، وعطف المبني على المعرب لا يجوز، لأن العطف يقتضي التَّشْرِيكَ في العامل.
قال أبو حيان(٣٠) : وما ذكر من أنه ل
١ ينظر: الإملاء ١/٢٤٧..
٢ ينظر: البحر المحيط ٤/٩٣..
٣ سقط في ب..
٤ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢، حجة القراءات ص (٢٥٦)..
٥ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٩٢، حجة القراءات ص (٢٥٦)..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢، روح المعاني ٧/١٨٩..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢، روح المعاني ٧/١٨٩..
٨ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢، روح المعاني ٧/١٨٩..
٩ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢، روح المعاني ٧/١٨٩..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في أ..
١٢ ينظر: الرازي ١٣/٢٠..
١٣ ينظر: الدر المصون ٣/٩٤، البحر المحيط ٤/١٦٢..
١٤ ينظر: الكتاب ١/٤٧٩..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٤/١٦٣..
١٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٧..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٠٨..
١٨ تقدم..
١٩ ينظر: الكتاب ١/٤٧٩..
٢٠ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٨٨..
٢١ ينظر: المشكل ١/٢٧١..
٢٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٠٨..
٢٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٦٤..
٢٤ ينظر: المشكل ١/٢٧١..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٨..
٢٧ ينظر: البحر المحيط ٤/١٦٤..
٢٨ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٢٨..
٢٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٠٨..
٣٠ ينظر: البحر المحيط ٤/١٦٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية