قُلُوبَنَا وَنُوَجِّهَهَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ بِالْإِذْعَانِ وَالْخُضُوعِ لِدِينِهِ وَالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَتِهِ، إِذْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ مِنَ الْعِبَادِ إِلَّا رَبُّهُمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَغَذَّاهُمْ بِنِعَمِهِ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّهَا لِلْمَصْدَرِيَّةِ، أَيْ وَأُمِرْنَا بِأَنْ نُسْلِمَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلُ بِتَأْوِيلِ الْفِعْلِ بِالْمَصْدَرِ هُنَا وَفِي مِثْلِ (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) (٤: ٢٦) (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (٥: ٦) إِلَخْ. عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَمِنْ تَابَعَهُمَا. وَصَرَّحَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ بِأَنَّ اللَّامَ تَكُونُ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا بَعْدَ الْفِعْلِ، مِنَ الْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ خَاصَّةً. وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْجَهُ وَأَظْهَرُ.
(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ) أَيْ أُمِرْنَا بِأَنْ نُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِأَنْ أَقِيمُوا وَاتَّقُوهُ، أَيْ قِيلِ لَنَا ذَلِكَ، وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا بِالْإِسْلَامِ وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْوَى، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ: الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ كَوْنُهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَتُزَكِّي النَّفْسَ بِمُنَاجَاةِ اللهِ وَذِكْرِهِ (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) (٢٩: ٤٥) وَلَمْ يَكُنْ شُرِعَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ زَكَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا حَجٌّ، وَالتَّقْوَى: اتِّقَاءُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُخَالَفَةِ دِينِ اللهِ وَشَرْعِهِ وَتَنَكُّبِ سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ مِنْ ضَرَرٍ وَفَسَادٍ، فَهَذَا أَوْسَعُ مَعْنًى مِنْ تَفْسِيرِهَا بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أَيْ تُجْمَعُونَ وَتُسَاقُونَ إِلَى لِقَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُونَ غَيْرِهِ، فَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا. وَإِذَا كَانَ الْحَشْرُ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَالْجَزَاءُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ، فَمِنَ الْجُنُونِ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ وَيُدْعَى، أَوْ يُخَافَ أَوْ يُرْجَى.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أَيْ خَلَقَهُمَا بِالْأَمْرِ الثَّابِتِ الْمُتَحَقِّقِ، وَهُوَ آيَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِالسُّنَنِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ، فَلَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلًا وَلَا عَبَثًا، فَإِذًا لَا يَتْرُكُ النَّاسَ سُدًى، بَلْ يَجْزِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى.
(وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ) أَيْ وَقَوْلُهُ هُوَ الْحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، وَهُوَ وَقْتُ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ، فَلَا مَرَدَّ لِأَمْرِهِ التَّكْوِينِيِّ وَلَا تَخَلُّفَ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْإِسْلَامُ وَالْخُضُوعُ لِأَمْرِهِ التَّكْلِيفِيِّ بِلَا حَرَجٍ فِي النَّفْسِ وَلَا تَكَلُّفٍ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ حَقٌّ، وَالْخَلْقَ حَقٌّ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
(٧: ٤٥).
(وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) وَيَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، فَإِذَا كَانَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ مَا فِي الدُّنْيَا بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ الْمُقَدَّرَةِ، وَشَرِيعَتِهِ الْمُقَرَّرَةِ، فَلَا تَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ مَا مَهْمَا تَكُنْ مُكْرَمَةً لِنَفْسٍ مَا مَهْمَا تَكُنْ قَرِيبَةً أَوْ مَقَرَّبَةً - شَيْئًا مَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، أَوْ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَكَيْفَ يَدْعُو مَنْ هَدَاهُ إِلَى هَذِهِ الْحَقَائِقِ غَيْرَهُ مَنْ دُونِهِ فَيُرَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَرْجِعَ إِلَى شَرِّ حَالَيْهِ! وَالصُّورُ فِي اللُّغَةِ: الْقَرْنُ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ فِي اللِّسَانِ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
| لَقَدْ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْجَمْعَيْنِ | نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ |
صَوْتٌ شَدِيدٌ يُدْعَى بِهِ النَّاسُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ، وَيَعْزِفُونَ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ السَّمَاعِ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي سِفْرِ الْأَيَّامِ الْأُولَى مِنْ كُتُبِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ قَالَ: (٥: ٢٨ فَكَانَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ يَصْعَدُونَ تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ بِهُتَافٍ وَبِصَوْتِ الْأَصْوَارِ وَالْأَبْوَاقِ وَالصُّنُوجِ، يُصَوِّتُونَ بِالرَّبَابِ وَالْعِيدَانِ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ كَبُسْرٍ وَبُسْرَةٍ، وَصُوفٍ وَصُوفَةٍ. وَقِيلَ فِي سُورِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا: إِنَّهُ جَمْعُ سُورَةٍ، وَنَقَلُوا هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ رُوَاةِ اللُّغَةِ، وَقَدْ رَدَّهُ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ) (٣٩: ٦٨) وَهَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى، وَلَا يَظْهَرُ مَعْنًى لِكَوْنِهَا فِي صُوَرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي النَّفْخَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَبْعَثُ اللهُ بِهَا الْعِبَادَ، وَهِيَ قَوْلُهُ فِي تَتِمَّةِ الْآيَةِ: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) وَبِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْقَرْنِ وَالْبُوقِ أَوْ بِمَا يُشْبِهُهُمَا، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ أَنَّهُ مُسْتَقَرُّ أَرْوَاحِ الْخَلْقِ، فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ تُصِيبُ النَّفْخَةُ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ، فَتَذْهَبُ إِلَى أَجْسَادِهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ أَعَادَهَا كَمَا بَدَأَهَا، وَرَدَّهُ اللُّغَوِيُّونَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَقِيسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ يُجْمَعُ عَلَى فُعَلٍ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحَ الْعَيْنِ، كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وَصُورَةٍ وَصُوَرٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (٤٠: ٦٤) وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ كَبُسْرٍ وَصُوفٍ فَهُوَ خَاصٌّ بِمَا سَبَقَ اسْتِعْمَالُ الْجَمْعِ فِيهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْوَاحِدِ، وَرَوَى الْأَزْهَرِيُّ هَذَا الرَّدَّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَيُرَاجَعُ فِي مَادَّتَيْ سُورَةٍ
وَصُوَرٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِيهِمَا.
وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي الصُّوَرِ فَقَدْ أَخْرَجَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالتَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ وَغَيْرِهِمْ بِأَسَانِيدَ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخْرِجَا مِنْهَا شَيْئًا، وَأَقْوَاهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: " هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ يُنْفَخُ فِيهِ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَاتٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَصَحَّحَ بَعْضَهَا الْحَاكِمُ - أَنَّ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالصُّورِ مُسْتَعِدٌّ لِلنَّفْخِ فِيهِ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ، وَوَرَدَ فِي وَصْفِ مَلَكِ الصُّورِ، وَفِي صِفَةِ الصُّورِ، وَالنَّفْخِ وَتَأْثِيرِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمَا يَكُونُ يَوْمَئِذٍ - رِوَايَاتٌ مُنْكَرَةٌ، بَعْضُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَبَعْضُهَا مُلَفَّقٌ مِنْ أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، وَمَمْزُوجٌ بِالْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ مَا يَمْلَأُ عِدَّةَ صَفَحَاتٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا، وَأَنْ إِسْمَاعِيلَ تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي تَوْثِيقِ إِسْمَاعِيلَ وَتَضْعِيفِهِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ نَصَّ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني