وحاجه قومه [ الأنعام : آية ٨٠ ] حاجه : أصله ( حاججه ) من ( المحاججة )، بأن يدلي كل منهما بحجته ضد الآخر، وكل كلام يدلي به خصم ضد آخر يسمى :( حجة ) ولو كان في غاية البطلان، كما قال تعالى في قوم أدلوا بكلام باطل : حجتهم داحضة عند ربهم [ الشورى : آية ١٦ ] فهو يطلق على كل ما أدلى به خصم ضد آخر، تقول له العرب :( حجة )، و( المفاعلة ) :( حاج ) أصلها :( حاجج )، على وزن ( فاعل ) أدغمت إحدى الجيمين في الأخرى.
وحاجه قومه قوم الرجل أصلهم : جماعته، و( القوم ) في وضع اللسان العربي يطلق على الذكور خاصة، وربما دخل فيهم الإناث بحكم التبع. فالدليل على إطلاقه على الذكور خاصة في الوضع العربي قوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ثم قال : ولا نساء من نساء [ الحجرات : آية ١١ ] فعطف النساء عليهم يدل على اختصاص اسم ( القوم ) بالذكور دون الإناث، ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى :
وما أدري وسوف إخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء
والدليل على دخول النساء في اسم ( القوم ) بحكم التبع قوله تعالى في بلقيس : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين [ النمل : آية ٤٣ ] دخلت بالتبع، بدليل قرينة السياق.
ومعنى محاجة قومه له : أنهم قالوا له : كيف تدعي أن المعبود واحد، وأن العالم كله يدبر شؤونه ويسمع نداءه معبود واحد ؟ هذا لا يمكن ! ! كما قال قوم نبينا له : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ ص : آية ٥ ] فقالوا له : من يعبد آلهة متعددة خير ممن يقتصر على واحد ؛ لأن هؤلاء المتعددين تتكرر بهم الشفاعة من جهات، وهذا واحد. ومحاججتهم له في توحيد الله ؛ ولذا قال : أتحاجوني في الله [ الأنعام : آية ٨٠ ] دل ذلك على أن محاججتهم في الله وفي عبادته، قال منكرا عليهم : أتحاجوني قرأ هذا الحرف عامة القراء، ما عدا نافعا وحده، وابن ذكوان عن ابن عامر، وهشام عن ابن عامر – بخلاف عنه – قرأه كلهم : أتحاجوني بتشديد النون، وقرأه نافع برواية ورش وقالون وهشام – بخلف عنه – عن ابن عامر كذلك أتحاجوني بتخفيف النون. والياء مثبتة عند جميع القراء، فهما قراءتان سبعيتان أتحاجوني وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وهشام – في إحدى الروايتين : أتحاجوني بنون بعدها ياء، نون مخففة.
أما قراءة الجمهور فلا إشكال في الآية عليها، أصلها تأتي هنا نونان، النون الأولى : نون الرفع، والثانية : نون الوقاية، فأدغمت إحدى النونين في الأخرى، وهذا لا إشكال فيه.
أما على قراءة نافع : أتحاجوني في الله وقرأ بها هشام عن ابن عامر – في إحدى الروايتين أتحاجوني في الله فقد استشكلها بعض العلماء، وذكر عن بعض علماء العربية أنه قال : قراءة نافع في هذا لحن ! ! وهذا خطأ، بل هي قراءة فصيحة، ولغة عربية فصحى، قرأ بها نافع في حروف كثيرة من القرآن، في قوله هنا في الأنعام : أتحاجوني في الله وفي قوله في الزمر : أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون [ الزمر : آية ٦٤ ] وفي قوله في النحل : أين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم [ النحل : آية ٢٧ ] وفي قوله في الحجر : فبم تبشرون [ الحجر : آية ٥٤ ] بكسر النون. كل هذه الحروف قرأها نافع على هذه الوتيرة. والتحقيق في هذا : أن هذه لغة فصحى، كما جزم به سيبويه أن من عادة العرب إذا اجتمع مثلان أن يخففوا ويحذفوا أحد المثلين، وأنشد له سيبويه قول عمرو بن معدي كرب الزبيدي :
تراه كالثغام يعل مسكا *** يسوء الفاليات إذا فلين
قال : الأصل : فلينني. فلما اجتمع نونان حذفت إحداهما. والتحقيق المقرر في علوم العربية : أن نون الرفع المعروفة في الأفعال الخمسة أنها لها حالات متعددة – لها تقريبا خمس حالات في ثلاث حالات يجب حذفها بقياس مطرد، وهذه الثلاث التي يجب فيها حذف نون الرفع :
أولها : ما إذا دخل عليها جازم.
والثانية : إذا دخل عليها ناصب. وقد جمعهما قوله : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا [ البقرة : آية ٢٤ ].
الثالثة : إذا دخلت عليها نون التوكيد الثقيلة نحو : لتبلون ، فإنها يجب حذفها في هذه الأمور الثلاثة بقياس مطرد. ما إذا تقدمها جازم، أو تقدمها ناصب، أو دخلت عليها نون التوكيد الثقيلة. فتحذف نون الرفع باطراد، وبقاؤها مع الجازم أو الناصب لغات قليلة مسموعة، وبقاؤها مع الجازم كقول الشاعر :
لولا فوارس من نعم وأسرتهم*** يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
فهذه لغة قليلة تحفظ ولا يقاس عليها. وكبقائها مع الناصب، كقول الشاعر :
أن تقرآن على أسماء ويحكما*** مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
هذا أيضا كذلك.
أما الموضع الرابع : فهو يجوز فيه حذفها وإبقاؤها بقياس مطرد، كأن تجتمع نون الرفع مع نون الوقاية – كهذه الآيات التي ذكرنا – فإنها يجوز إثبات نون الرفع كقراءة الجمهور، ويجوز حذفها كقراءة نافع، وقد غلط من ظن أن النون المحذوفة أنها نون الوقاية، فالمحذوفة نون الرفع.
الموضع الخامس : هو أن تحذف نون الرفع لغير واحد من الأسباب الأربعة – لأن لا يدخل عليها ناصب، ولا جازم، ولا تكون مع نون التوكيد الثقيلة، ولا مع نون الوقاية – فحذفها في مثل هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، كقول الراجز :
أبيت أسري وتبيتي تدلكي *** وجهك بالعنبر والمسك الذكي
فالتحقيق أن قراءة نافع في هذا الحرف وفي غيره أنها على لغة عربية فصحى.
ومعنى الآية الكريمة : أتحاجونني، أتجادلونني في الله، وأني لا أعبده وحده، والحال قد هداني ربي، وشرح صدري بما أوحى إلي، وبما أراني من ملكوت السماوات والأرض حتى صرت من الموقنين، أبعد هذا من العلم واليقين الذي أعطاني الله، تحاجونني وتجادلونني في الله، في أنه المعبود وحده ؟ هذا مما لا يكون ولا يصح. ثم إنهم قالوا له على عادة الكفار : ترى أنك عبت آلهتنا وأصنامنا، وعبتها وكسرتها، وقلت : إنها لا تنفع ولا تضر. ترى أنها ستصيبك ببرص أو جذام أو تخبلك فتجننك ! ! وهذه عادة الكفار، يخوفون أنبياء الله من أصنامهم. فأجابهم إبراهيم قال لهم : ولا أخاف ما تشركون به قال لهم : لا أخاف ما تشركون به ؛ لأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يترقب منه خوف ولا نفع، فلا أخافه أبدا.
والتحقيق في الاستثناء في قوله : إلا أن يشاء ربي شيئا أنه استثناء منقطع. هذا هو التحقيق، والمعنى : لكن إن شاء ربي أمرا مخوفا أوقعني فيه، أما أصنامكم فليس منها خوف، وليس منها نفع ؛ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر. وهذا هو التحقيق، خلافا لقوم زعموا أن الاستثناء متصل، وقالوا : لا أخاف من معبوداتكم إلا أن يشاء الله أن يجعل لي منها ضررا، كأن يسقط علي قطعة من القمر الذي تعبدون، أو من الشمس الذي تعبدون، وأن يخلق في الحجارة عقولا وقوة تبطش بي بها. هذا كله خلاف التحقيق.
والتحقيق أن الاستثناء منقطع، وأن المعنى : ولا أخاف ما تشركون به شيئا، فلا أخاف ما تشركون به، ثم إنه لما نفى الخوف عن نفسه استثنى مشيئة الله، إلا أن يشاء الله أن يخوفني بما شاء، فله في ذلك ما شاء، والاستثناء استثناء منقطع، والتحقيق : أن الاستثناء المنقطع جائز في لغة العرب، وفي كلام العرب، خلافا للمقرر في أصول الإمام أحمد بن حنبل، فالمقرر في الأصول عند ثلاثة من الأئمة : مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، أن الاستثناء المنقطع صحيح، وأنه جائز في القرآن وفي كلام العرب، خلافا للمقرر في أصول الإمام أحمد بن حنبل أن الاستثناء المنقطع لا يجوز ؛ لأن غير ما دخل لا يمكن أن يخرج بالاستثناء، وحجة الجمهور ورود الاستثناء في القرآن وفي كلام العرب، ومن ورود الاستثناء المنقطع في القرآن : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن [ النساء : آية ١٥٧ ] فاتباع الظن ليس من جنس العلم، وكقوله : وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [ الليل : الآيتان ١٩، ٢٠ ].
فليس من جنس نعمة لأحد عنده، وكقوله : لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما [ الواقعة : الآيتان ٢٥، ٢٦ ] فالسلام ليس من جنس اللغو. وهو كثير في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول نابغة ذبيان :
وقفت فيها أصيلانا أسائلها*** عيت جوابا، وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيا ما أبينها*** والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
فالأواري التي هي مرابط الخيل ليست من جنس الأحد. وكقول الراجز :
وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس
وذلك ليس من جنس الأنيس. وقول الفرزدق :
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن*** لها خاطب إلا السنان وعامله
فالسنان ليس من جنس الخاطب.
وينبني في الأصول على الخلاف في الاستثناء المنقطع : ما لو قال رجل في إقراره : أقر لزيد أن له علي ألف دينار إلا ثوبا. فالذين قالوا بجواز الاستثناء المنقطع، قالوا : تسقط قيمة الثوب من الألف. وعلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل – المانع للاستثناء المنقطع – لا يسقط من الألف شيء ؛ لأن الثوب ليس من جنس الدنانير التي أقر بها.
وعلى هذا فالمعنى : ولا أخاف ما تشركون به لا أخاف الأصنام التي تشركونها بالله ( جل وعلا ). فالتحقيق في الضمير في ( به ) أنه عائد إلى الله. ( تشركونها بالله ) أي : به ( جل وعلا ). لا أخافها لأنها لا تنفع ولا تضر. ثم استثنى وقال : إلا أن يشاء ربي شيئا لكن إن شاء ربي مخوفا أن يوقعني فيه فله ( جل وعلا ) ما شاء، فالاستثناء منقطع، وليس المراد أنه استثنى مخافة من الأصنام أبدا ؛ لأنها جماد لا ينفع ولا يضر، والاستثناء منقطع، كما جزم به غير واحد من المحققين، وقد غلط من جعله متصلا، كمن قال : إن الله قادر على أن يخلق في الأصنام عقولا وبطشا تضره به، وقادر على أن يسقط عليه فلقة من القمر الذي يعبدون فتضره ! ! هذا بعيد من كلام العرب، والظاهر ما ذكرنا. وهذا معنى قوله : ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا يخوفني به فمشيئة الله نافذة كائنة ما كانت.
وسع ربي كل شيء علما علما تمييز محول عن الفاعل. والمعنى : وسع علمه كل شيء، فهو عالم بكل شيء، وعلمه المحيط بكل شيء إذا أحاط بأنه يجعلني في مخافة فذلك حقيق، فلما نفى الخوف من الأصنام تدارك وقال : لا يمكنني أن أنفي الخوف، بل أنيطه بمشيئة الله، إذا شاء أن يخيفني أخافني، وإلا فلا. هذا معنى الكلام.
ثم قال : أفلا تتذكرون أفلا تتعظون وتعلمون أنني لا ينبغي لي أن أخاف من جمادات لا تنفع، مع أنكم لا تخافون من شديد البطش، ملك السماوات والأرض، حيث تكفرون به، وتصرفون حقوقه لغيره ؛ ولذا أتبعه بقوله :
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير