ويقول الحق بعد ذلك :
وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ( ٨٠ ) .
وحاجه أي حاججه بإدغام الجيمين في بعضهما. أي أن كل طرف يقول حجة والطرف الآخر يرد عليه بالحجة، فإذا كنت في نقاش وكل واحد يدلى بحجته، فهذا اسمه الحجاج، أو الجدل المبطل، أي أنك تبطل كلامه وهو يبطل كلامك.
وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ( من الآية ٨٠ سورة الأنعام )
وإذا كان إبراهيم قد جادلهم بمجاراة أفكارهم وأثبت بطلانها، فكيف يجادلونه إذن ؟. كأن الغرض من الحجاج صرف إبراهيم عن دينه الحنيف الذي ارتآه في قوله سبحانه :
إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( ٧٩ ) ( سورة الأنعام ).
ويرد عليهم : أتحاجوني في الله وقد هدان ( من الآية ٨٠ سورة الأنعام ).
أي أن مسألة الإيمان قد حسمت. فقد آمن إبراهيم بالله ويعلن للقوم :( ولا أخاف ما تشركون به إلا ان يشاء ربي شيئا ) وهذا القول يدل على أنهم قد هددوه ؛ لأن كلمة ( الخوف ) جاءت ونفاها عن نفسه. ويعلنها إبراهيم قوية :( ولا أخاف ما تشركون به ) أي لا أخاف من الكواكب التي تأفل سواء أكانت نجما أم قمرا أم شمسا أم تلك الأصنام التي تعبدونها فليس لها نفع ولا ضر، والضر والنفع هما من صنع الله فقط.
ولذلك تتجلى الدقة في الأداء العقدي فيقول الحق على لسان إبراهيم عليه السلام :
ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ( من الآية ٨٠ سورة الأنعام ).
فإن شاء الحق أن ينزل على عبد كوكبا يصعقه أو يحرفه فهذا موضع آخر لا دخل لمن يعبد الكواكب به، ولا دخل للكواكب فيه أيضا ؛ لأن النافع والضار هو الله، فحين يشاء الله الضر، ويأتي الضر، وحين يشاء النفع يأتي النفع.
إلا أن يشاء ربي شيئا ( من الآية ٨٠ سورة الأنعام )
أي اذكروا جيدا، وافرقوا بين فعل يقع من فاعل، وفعل يقع من آلة فاعلها غير تلك الآلة، فحين يشاء الله أن يوقع على إنسان كوكبا، أو صخرة فليست الصخرة هي التي صنعت وقوعها، ولا الكوكب هو الذي أسقط نفسه، إنما الفاعل هو الله :
وسع ربي كل شيء علما أفلا يتذكرون ( من الآية ٨٠ سورة الأنعام )
وقوله أفلا تتذكرون يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر فقط، والتذكر أمر فطري طبيعي ؛ لأن الإنسان الخليفة في الأرض هو الذي تناسل من آدم إلى أن وصل إلينا ؛ فقد جاء آدم إلى الأرض ومعه منهج سماوي ينظم به حركة الحياة، ولقن آدم المنهج لأولاده، وكذلك فعل أبناء آدم مع أولادهم، ولكن المناهج تنطمس ؛ لأن المناهج تتدخل في أهواء الناس وتثنيهم عن شهواتهم وتصدهم عن المفاسد فيعرضون عنها أو يتجاهلونها، إذن فهي عرضة أن تنسى، والرسالات إنما تذكر بالمنهج الأصلي الذي أخذناه عن الحق سبحانه وتعالى، لذلك يعلنها إبراهيم.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( ٨١ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي