ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

ويقول الحق بعد ذلك :
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( ٨٢ ) .
حينما سمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية أشفقوا على أنفسهم ؛ لأنهم استعرضوا حركة أعمالهم فوجدوها لا تخلو من ظلم، وخافوا أن يكونوا من غير الداخلين في ( أولئك لهم الأمن ). وشق عليهم ذلك، فرفعوا أمرهم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأوضح لهم صلى الله عليه وآله وسلم مطمئنا : إن ذلك الظلم هو الذي قال الله فيه :
إن الشرك لظلم عظيم ( ١٣ ) ( سورة لقمان )
والآية تدل بمعطياتها على أن ذلك الظلم هو المتعلق بالإيمان لا بالعمل ؛ لأننا نعلم أن التقاء الإنسان بربه مشروط أولا بعقيدة القمة، وهي أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن تشهد أن محمد رسول الله ؛ ومعناها : لا معبود بحق إلا الله، أو لا أمر لأحد في خلق الله إلا لله، ولا فعل لأحد من خلق الله إلا من الله، ولا استمدادا لأحد قدرة وعلما وحكمة وقبضا وبسطا إلا من الله، تلك هي دائرة الإيمان العقدية.
ويقول الحق : ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فكأن هذه المسألة هي منطقة الظلم، أما العمل فسبحانه فصل لنا بين إيمان ينفجر عنه العمل وعمل تنفجر عنه الطاقات فقال سبحانه :
والعصر ( ١ ) إن الإنسان لفي خسر ( ٢ ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات........... ( ٣ ) ( سورة العصر ).
والعطف في قوله : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يقتضي المغايرة، فالإيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر، إذن فالإيمان عمل ينبوعي في القلب، ولكن العمل ناشئ عن الالتزام الذي شرعه الإيمان فيه، وعلى المؤمن أن ينتبه إلى أن الله واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، لا ند له ولا شريك معه، فإن وجدت صفة مثلها فيك فاعلم أن الصفة في الله في دائرة ( ليس كمثله شيء ). فلا قدرة كقدرته، ولا ذات كذاته، ولا فعل كفعله، فإن اختل شيء من ذلك في اليقين فهذا ظلم واقع في الإيمان.
فمثلا : أنت تقبل على الأشياء بالطاقات المخلوقة لك من الحق سبحانه وتعالى، وقبل أن تفعل أي فعل لابد أن يمر على بالك نسبة ذهنية، قبل أن تكون نسبة قولية أو فعلية. هذا هو العمل المنوط بك والمطلوب منك، أما العمل الذي لا يمر ببالك فلست مسئولا عنه، مثال ذلك : هب أنك سائر في الطريق، ثم وجدت حفرة تكاد تسقط فيها، فهناك أمر غريزي لحفظ الإنسان فيبعد رجله، وهو لا يستطيع في هذه المسألة أن يمرر بباله. وتلك أعمال نسميها الأعمال الاضطرارية أو الغريزية أو القسرية. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
( كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع )١( حديث شريف ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :( كل أمر ذي بال فيه بالحمد لله أقطع )٢( حديث شريف ).
و ( ذي بال ) أي كل أمر تفعله بعد أن يمر ببالك أن تفعله يجب أن تذكر فيه اسم الله. ويغفل أناس كثيرون عن هذه المسألة فنقول لهم : منطقيا لابد أن تضعوا هذا الأمر في بالكم لأن الفعل الذي لا يمر ببالك هو فعل أعطى الله غريزتك – بدون أمر – أن تفعله. ومثال ذلك إذا أكل الإنسان ثم نزل شيء في قصبته الهوائية غير الهواء ؛ نجده يسعل بلا شعور حتى يخرج هذا الشيء، لأنها قسرية. أما الأمر ذو البال فهو الذي تمر ببالك نسبته الذهنية ثم يمر بالفعل، إن كان قولا تقوله، وإن كان فعلا تفعله ؛ فمطلوب منك فيه ابتداء أن تسمي الله، لأن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا ألا تشغلنا الأسباب عن المسبب لها.
فأنت مثلا حين تزرع الأرض وتحرثها، ثم تضع البذرة وتغطيها، ثم ترويها وبعد ذلك ينبت الزرع. ألك في ذلك شيء ؟ إنه ليس لك إلا تجميع فعل ؛ فالبذرة مخلوقة لله، والتربة التي وضعت فيها البذرة مخلوقة لله، والعناصر الموجودة في الأرض لتغذي النبات مخلوقة لله، والخاصية الموجودة في البذرة لتمتص شيئا ينمي جذيرها ثم تنفلق الحبة، كل هذه أسباب ليس لك فيها شيء أبدا. ولكن الله احترام فعلك فقط فقال سبحانه :
أفرأيتم ما تحرثون ( ٦٣ ) ( سورة الواقعة )
ثم قال سبحانه : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ( ٦٤ ) ( سورة الواقعة )
ومن مخصصات الإيمان أنك حين تقبل على أي شيء ذي بال ألا تنسى من سخر لك هذا، فليس في قدرتك أن تفعل لنفسك وبنفسك أي شيء إلا بإرادة الله، وإذا ما فعلت ذلك وتذكرت من سخر لك هذا تكون قد نسبت الأمر كله له سبحانه.
ونحن في قوانيننا الوضعية ساعة يجلس القاضي ليحكم بين الناس حكما وهناك سلطة تنفذ هذا الحكم فهو يقول :( باسم الشعب ) أو ( باسم القانون )، إذن الشعب أو القانون هو الذي أعطاه الصلاحية لأن يحكم هذا الحكم، فما هي القدرة التي جعلتك تحكم على الأشياء أن تنفعل لك ؟ لابد أن تقول إذن : باسم الله الذي سخر لي هذا، فإذا أقبلت على عمل بغير ذلك، تكون مفتاتا ومختلقا ومدعيا أمرا لا تستطيعه ؛ لأنه ليس في سلطتك ولا في قدرتك أن تسخر الكائنات لك.
إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي سخر لك الكائنات، فعليك أن تذكر اسم الحق لتنفعل لك تلك الكائنات، ومن يغفل عن ذلك فقد لبس وخلط إيمانه بظلم. وإذا ما رأيت ثمرة من ثمارك إياك أن تقول كما قال قارون :( أوتيته على علم عندي ) بل اذكر وقل : ما شاء الله ؛ لأنك إن قلت :( أوتيته على علم ) فالحق قد قال في شأن قارون :
فخسفنا به وبداره الأرض ( من الآية ٨١ من سورة القصص )أين ذهب علم قارون الذي جاء به ؟.
إذن فكل أمر من الأمور يجب أن تنسبه لله، فإن اختل شيء فيك من هذه المسألة فاعلم أنك لبست وخلطت إيمانك بظلم، والحق سبحانه وتعالى يطلب منا ذلك حتى تكون النعمة مباركة إقبالا عليها أو انتفاعا بها، ولا ينشأ من العمل الذي تعمله مبتدئا ب بسم الله إلا ما يعينك على طاعته، ويعينك على بر، ويعينك على خير، ولا تصرفه إلا في عافية.
وبعد ذلك يؤهلك مجموع هذه الأشياء في كل حركاتك وأعمالك إلى أن تأخذ أمنا آخر أجمع وأتم وأكمل من أمن الدنيا ؛ إنك تأخذ أمن الآخرة بأن تدخل الجنة.
إذن أولئك لهم الأمن أي الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، والحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل دائما بمنهجه ؛ لأن إمدادات الله سبحانه وتعالى مستمرة، ورحماته وتجلياته لا تنقطع عن خلقه أبدا ؛ لأنه قيوم أي إنه بطلاقة قدرته وشمول قيوميته يقوم سبحانه باقتدار وحكمة على كل أسباب مخلوقاته، فكن دائما في صحبة القيوم ؛ ليتجلى عليك بصفات حفظه، وصفات قدرته، وصفات علمه، وصفات حكمته. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال :( يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف٣ نعليك بين يدي في الجنة. قال : ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهارا إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي )٤.
ويقول – صلى الله عليه وآله وسلم - :( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهة كل خطيئة نظر إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب )٥.
إذن الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل بمنهجه اتصالا وثيقا ؛ ليعطينا، لا ليأخذ منا ؛ لأن الفرق بين عبودية البشر للبشر والعبودية الخالصة لله أن البشر يأخذ خير عبده، ولكن عبوديتنا لله تعطينا خيره من خزائن لا تنفد، نأخذ منه كلما ازددنا له عبودية، إذن الحق دائما يريد أن يصلنا به.
أولئك لهم الأمن الأمن في الدنيا، والأمن بمجموع ما كان في الدنيا مع الأمن في الآخرة.
ولقائل أن يقول : هناك أناس لا يسمون باسم الله، ولا يخطر الله على بالهم، ويتحركون في طاقات الأرض ومادتها، وينعمون بها ويسعدون، وقد يسعدون بابتكارات سواهم. ونقول : نعم هذا صحيح ؛ لأن فيه فرقا بين عطاء الفعل، والبركة في عطاء الفعل. إذا زرع الكافر فالأرض تعطي له، وإذا قام بأي عمل يأخذ نتيجته، لكنه لا يأخذ البركة في العطاء.
وما هي البركة في العطاء ؟ البركة في العطاء أن يكون ما أخذته من هذا العطاء لا يعينك على معصية، بل دائما يعينك على طاعة. ونحن نرى كثيرا من الناس يصدق عليهم قول سبحانه : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فإياك أن تغالط وتقول : إنهم لا يقولون : بسم الله الرحمان الرحيم ومع ذلك فهم قد أخذوا طيبات الحياة الدنيا، إنك حين تنظر إليهم تجد كل مرتقيات حضارتهم، وطموحات بحوثهم واكتشافاتهم تتجه دائما إلى الشر، لم يأت لهم ابتكار إلا استعملوا في الشر إلى أن يأذن الله فيشغلهم عن أشيائهم بما يصب عليهم من العذاب والنكبات ولهم في الآخرة العقاب على شركهم وكفرهم.
إذن أولئك لهم الأمن أي إن هؤلاء الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك لهم الأمن في جزئيات أعمالهم والأمن المجتمع من جزيئات أعمالهم يعطي لهم الأمن في الجنة. وهم مهتدون والهداية هي الطريق الذي يوصل إلى الغاية. ولا يقال لك إنك موقف في الحركة إلا إذا أدت بك هذه الحركة إلى غاية مرسومة في ذهنك من نجاح بعد المذاكرة والاجتهاد. ولا مخلوق ولا مصنوع يحدد غايته، فاترك لله تحديد مهمتك، فسبحانه هو الذي خلقك، وفي عرف البشر، لا توجد صنعة تحدد مهمتها أبدا، بل إن هو الذي يحدد لها الغاية منها ؛ فالغاية توجد أولا قبل الصنعة، ومادامت الغاية موجودة قبل الصنعة فمن الذي يشقى بالتجارب إذن ؟
في الابتكارات العلمية المعملية المادية التي تنشأ من التفاعل مع المادة نجد أن الذي يشقى بالتجربة أولا هو العالم، وأنت لا تعلم التجربة إلا بعد ما تظهر نتائجها الطبية، والمسائل النظرية التي تتعب العالم يأتي التعب منها لأنها ليست مربوطة أولا بالماديات المقننة وبمعرفة الغاية، ولا بمعرفة الوسيلة لهذه الغاية. فمن المهتدي إذن ؟
إن المهتدي هو من يعرف الغاية التي يسعى إليها، والوسيلة التي تؤهله إلى هذه الغاية. وإذا حدث له عطب في ملكات نفسه، يستعين في إصلاح العطب ويلجأ إلى من صنع هذه الملكات، وهو الله سبحانه، كما يرد الإنسان الآلة التي تتعطل لصانعها. ونجد كثيرا من الشعراء يسرحون في خيالهم فيقول الواحد منهم :
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي
ومن أين للغايات بعد المذاهب ؟
ونقول له : من خلقك أوضح لك الغاية.

١ رواه عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة..
٢ رواه ابن ماجه والبيهقي في السنن عن أبي هريرة..
٣ الدف بالفاء: صوت النعل وحركته على الأرض..
٤ متفق عليه واللفظ للبخاري..
٥ رواه مسلم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير