الذين آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا.
وقيل : هو من تمام قول إبراهيم، وقيل : هو من قول قوم إبراهيم. ومعنى لَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ : لم يخلطوه بظلم. والمراد بالظلم الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان : يا بنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ "، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية : وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، والإشارة بقوله : أولئك إلى الموصول المتصف بما سبق. و لَهُمُ الأمن جملة وقعت خبراً عن اسم الإشارة. هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه. وَهُمْ مُهْتَدُونَ إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عنه في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض قال : الشمس والقمر والنجوم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قال في الآية : كشف ما بين السموات حتى نظر إليهنّ على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة، والسلسلة في خاتم العزّة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في الآية : قال سلطانهما.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، في قوله : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ يقول : خاصموه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : أَتُحَاجُّونّي قال : أتخاصموني.
وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي بكر الصديق أنه فسر وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ بالشرك. وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب. وكذلك أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن حذيفة بن اليمان. وكذلك أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سلمان الفارسي. وكذلك أخرجا أيضاً عن أبيّ بن كعب. وكذلك أخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس. وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ مثله، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغني عن الجميع ما قدّمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ قال : خصمهم. وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في قوله : نَرْفَعُ درجات مَن نَشَاء قال : بالعلم. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال : إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني