ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

المعنى الجملي : اعلم أنه سبحانه بعد أن حكى عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه أظهر حجة الله في التوحيد، وعدد وجوه نعمه وإحسانه إليه، ذكر هنا أنه جعله عزيزا في الدنيا، إذ جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من ذريته وأبقى هذه الكرامة له إلى يوم القيامة.
الإيضاح : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده الهدى ضد الضلال. ويطلق شرعا على الطريق الموصل إلى الحق وهو الطريق المستقيم الذي نطلبه في صلاتنا وعلى سلوك ذلك الطريق والاستقامة في السير عليه.
أي إن أولئك الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات السالفة، والذين وصفهم الله بإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة هم الذين هداهم الله هداية كاملة، فبهداهم دون ما يخالفه من أعمال غيرهم، اقتد أيها الرسول فيما يتناوله كسبك وعملك مما بعثت به من تبليغ الدعة وإقامة الحجة والصبر على التكذيب والجحود وإيذاء أهل العناد ومقلدي الآباء والأجداد وإعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الأعمال، كالصبر والشكر والشجاعة والحلم والزهد والسخاء والحكم بالعدل قال تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ هود : ١٢٠ ] وقال : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين [ الأنعام : ٣٤ ].
والخلاصة : إن الله تعالى أمره بالاقتداء بهم في الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم وقد كان مهتديا بهداهم كلهم فكانت مناقبه وفضائله الكسبية أعلى من مناقبهم وفضائلهم، لأنه اقتدى بها كلها فاجتمع له من الكمال ما كان متفرقا فيهم إلى ما أوتيه دونهم، ومن ثم شهد له ربه بما لم يشهد به لأحد منهم فقال : وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : ٤ ].
وكذلك فضائله الموهوبة هي فيه أظهر وأعظم، فبعثه عامة للناس أسودهم وأحمرهم وبه ختمت النبوة والرسالة، وكمال الأشياء في خواتيمها صلوات الله عليهم أجمعين.
تنبيه : ذكر بعض العلماء أن الأنبياء والمرسلين الذين ذكروا في القرآن ويجب الإيمان بهم تفصيلا خمسة وعشرون هم الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في هذه الآيات، والسبعة الآخرون هم آدم أبو البشر وإدريس ولوط وصالح وشعيب وخاتم الجميع محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام.
وليس في القرآن نص قطعي صريح في رسالة آدم عليه السلام، بل مفهوم قوله : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [ النساء : ١٦٣ ] أن نوحا أول نبي مرسل أوحى الله إليه رسالته وشرعه، وكذلك حديث الشفاعة. عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى تريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم لست هناكم ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي من ربه عز وجل ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى الأرض فيأتون نوحا.. " إلخ.
والخلاصة : إن الآية تدل على أن أول رسول شرع الله على لسانه الأحكام والحلال والحرام هو نوح عليه السلام.
ويرى بعض العلماء : أن آدم كان على هدى من ربه ربي عليه أولاده وبشرهم بالثواب وأنذرهم بالعقاب، وهذه هداية من جنس هداية الله للنبيين والمرسلين التي بلغوها أقواهم، ولا ندري كيف هدى الله تعالى آدم إليها، فإن طرق الهداية متعددة، وقد تكون هي هداية الفطرة.
ونوح ومن بعده أرسلوا إلى من فسدت فطرتهم فأعرضوا عما دعوا إليه، وهذه هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاء بها رسولا دون الأولى.
قل لا أسألكم عليه أجرا أي قل أيها الرسول لمن بعثت إليهم : لا أسألكم على هذا القرآن الذي أمرت أن أدعوكم إليه وأذكركم به أجرا من مال ولا غيره من المنافع، كما أن جميع من قبلي من الرسل لم يسألوا أقوامهم أجرا على التبليغ والهدى، وقد تكرر هذا الأمر له صلى الله عليه وسلم في سور متعددة كقوله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [ الشورى : ٢٣ ].
إن هو إلا ذكر للعالمين أي ما هو إلا تذكير وموعظة لإرشاد العالمين كافة لا لكم خاصة، وفي هذا تصرح بعموم بعثته صلوات الله عليه للناس جميعا أسودهم وأحمرهم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير