ويقول الحق من بعد ذلك :
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ( ٩٠ ) .
و ( هدى الله ) هنا أيضا هو هداية دلالة، وهداية معونة ؛ بدليل أنه قال : فبهداهم اقتده والخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن ( أولاء ) أي المشار إليهم هم المتقدمون، و ( الكاف ) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وحين نقرأ هذا القول الكريم نقول اقتد ولا نقول اقتده ولا تنطبق الهاء إلا في الوقف ويسمونها ( هاء السكت )، لكن إذا جاءت في الوصل لا ينطبق بها، وكل واحد من هؤلاء الرسل السابق ذكرهم له خصلة تميز بها، وفيه قدر مشترك بين الجميع وهو إخلاص العبودية لله والإيمان بالله وأنه واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وكلهم مشتركون في هذه الأصول، وتميز كل منهم بخصلة في الخير ؛ فسيدنا سليمان وداود أخذا القدرة والسلطان والملك، وأيوب أخذ القدرة في الصبر على البلاء، ويوسف أخذ القدرة في الصبر والتفوق في الحكم، وسيدنا يونس أخذ القدرة كضارع إلى الله وهو في بطن الحوت، وإسماعيل كان صادق الوعد.
والمطلوب إذن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون مقتديا بهم جميعا، أي أن يكون كسليمان وكداود وكإسحاق وكيعقوب وكأيوب وكيوسف وكيونس. وأن يأخذ خصلة التميز من كل واحد فيهم وأن يشترك معهم في القضية العامة وهي التوحيد لله. وبذلك يجتمع كل التميز الذي في جميع الأنبياء في سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرا من ربه فلابد أن نعتقد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد نفذ الأمر، وما دام أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد اجتمعت فيه مزايا الأنبياء فحق له أن يكون خاتم النبيين والمرسلين.
قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ( من الآية ٩٠ سورة الأنعام )
ولماذا يطلب الأجر ؟ أنت لا تطلب أجرا ممن فعلت أمامه أو له عملا إلا إذا كان العمل الذي فعلته يعطيه منفعة تستحق أن تعطي وتمنح عليه أجرا، فكأن ما يؤديه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأمة كان يستحق عليه أجرا، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم يبلغ عن ربه : قل لهم : إنك نزلت عن هذا الأجر.
وقارنوا بين من يقدم لأي واحد منكم منفعة قد لا تأخذ من وقته نصف ساعة في جزئية من جزئيات الحياة، ومن يقوم بعمل ينفعكم في مدى يتعدى الدنيا إلى أن يصل إلى الآخرة ثم يقول : أنا لا أريد منكم أجرا.
وعدم طلب الأجر حصل من كل الرسل إلا رسولين اثنين ؛ فلم يرد في القرآن أن قالاها، وإذا ما جئت لسورة الشعراء مثلا تجد أن الحق تكلم عن موسى، وتكلم عن إبراهيم، ثم تكلم بعد ذلك عن بقية الرسل ولم تأت كلمة الأجر في قصة إبراهيم وكذلك في قصة موسى عليهما السلام لكن جاء ذكر الأجر في غيرهما، ويقول سبحانه :
إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ( ١٠٦ ) إني لكم رسول أمين ( ١٠٧ ) فاتقوا الله وأطيعون ( ١٠٨ ) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ( ١٠٩ ) ( سورة الشعراء )
وقال جل شأنه :
إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ( ١٧٧ ) إني لكم رسول أمين ( ١٧٨ ) فاتقوا الله وأطيعون ( ١٧٩ ) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري على رب العالمين ( ١٨٠ ) ( سورة الشعراء )
وعندما تستقرئ سورة الشعراء تجد الأنبياء كلهم، وتجد مع قول كل منهم وما أسألكم عليه من أجر ، إلا سيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم، لماذا ؟ ونقول : إن من ينزل عن الأجر، هو من يقدم لهم منفعة.
وفي موسى عليه السلام نجد أنه قد وجهت وقدمت وسيقت له المنفعة من فرعون الذي قام بتربيته، كأنه قد أخذ الأجر مقدما، لذلك لم يقل موسى لفرعون ( لا أسألك أجرا، لأن القرآن جاء بقول فرعون :
قال ألم نربك فينا وليدا ( من الآية ١٨ سورة الشعراء ).
وكذلك لم تأت مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم لأنه خاطب أباه آزر، ولم يكن من المقبول أن يقول له :( لا أسألك أجرا ). هكذا انطمست مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا موسى، وبقيت فيما عداهما، مما يدل على أن القرآن موضوع بأدق تفاصيله بحكمة ؛ لأن من يتكلم هو ربنا. ويمتاز سيدنا رسول الله أيضا ويقول :( لا أسألكم أجرا ) إلا آية واحدة استثنى فيها هذا النفي :
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ( من الآية ٢٣ سورة الشورى ).
والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب، أما فعل الخير الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف ؛ لأن المعروف يضعه الإنسان مع من يحب ومن لا يحب. لذلك قال ربنا :
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ( من الآية ١٥ سورة لقمان ).
المعروف – إذن – هو عمل امتداده خير سطحي. والرسول حين يطلب المودة في القربى فهل هي قرباه صلى الله عليه وآله وسلم أو المودة في قرباكم ؟ هي القربى على إطلاقها. وهي القربى أيضا للمتكلم وهو الرسول الذي يبلغ عن الله.
وإن صنفت على أنها ( إلا المودة في القربى ) أي القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نوفيه أجرا. أم حين يتحمل كل واحد منا مجالا من الخير والمعروف في قومه، هنا تتلاحم دوائر الخير في الناس جميعا.
ويذيل الحق الآية بقوله : إن هو إلا ذكرى للعالمين وهي ما تعطينا اجتماع الدوائر ويصير كل واحد مهتما بأقاربه ويتنازع الناس ويتنافسون في مودة القربى، وكل منهم يحرص على أن يوسع دائرة القربى. هنا يعم الخير ويدوم الود
تفسير الشعراوي
الشعراوي