ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قرأ هذا الحرف حمزة والكسائي : فبهداهم اقتد في الصلة بلا هاء، وقرأه غيرهما وغير ابن عامر : فبهداهم اقتده بهاء السكت وصلا ووقفا، وقرأه ابن عامر من رواية هشام : اقتده بكسرة مختلسة، وقرأه ابن عامر من رواية ابن ذكوان : اقتدهي بكسرة مشبعة.
فتحصل أن القراءات فيه متعددة، قراءة الجمهور : فبهداهم اقتده بهاء السكت الساكنة وصلا ووقفا، وقرأه حمزة والكسائي : اقتد بلا هاء في حالة الوصل. اقتده بالهاء في حالة الوقف، وقرأه ابن عامر بهاء مكسورة تختلس كسرتها في رواية هشام عنه، وتشبع كسرتها في رواية ابن ذكوان عنه.
هذه هي القراءات : اقتد وصلا اقتده وقفا اقتده وصلا ووقفا اقتدهي وصلا اقتده وصلا هذه قراءات القراء السبع في هذا الحرف.
و اقتد معناه : فعل أمر من الاقتداء، والاقتداء معناه : الائتساء والاتباع في العمل. يقول العرب : " اقتدى به ". إذا ائتسى به وتبعه في عمله.
وقال قوم : إن قراءة ابن عامر هنا اقتدهي اقتده زعم قوم أنها لحن لا تجوز ؛ لأن هاء السكت لا يجوز كسره. وهذا غلط ؛ لأن قراءة ابن عامر قراءة صحيحة متواترة، والعلماء خرجوها على أن الهاء في قراءة ابن عامر – في حرف هشام وابن ذكوان – ليست هاء السكت ؛ لأن هاء السكت ساكنة على كل حال، وإنما هي ضمير راجع إلى المصدر.
ومعنى اقتدهي أي : الاقتداء فيكون بمعنى اقتد اقتداء بهم. هذا تخريج قراءة ابن عامر.
ومعنى فبهداهم اقتده اقتد بهداهم، وافعل كما يفعلون من الهدى.
وهذه الآية الكريمة هي التي أخذ منها جماهير العلماء – هي وأمثالها في القرآن – أن شرع من قبلنا شرع لنا إن ثبت في شرعنا إلا بدليل يدل على أنه ليس شرعا لنا.
وهذه مسألة معروفة في الأصول. اعلم أولا : أن شرع من قبلنا له ثلاث حالات : تارة يكون شرعا لنا بلا خلاف، وتارة يكون غير شرع لنا بلا خلاف، وتارة يكون محل خلاف، هو الذي فيه كلام العلماء ؛ لأن شرع من قبلنا واسطة وطرفان : طرف هو شرع لنا إجماعا، وطرف ليس شرعا لنا إجماعا، وواسطة هي محل بحث العلماء وخلافهم.
أما طرف الذي هو شرع لنا إجماعا : وهو ما ورد في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم جاءنا في شرعنا أنه مشروع لنا – كقتل النفس بالنفس قصاصا، فإن قتل النفس بالنفس قصاصا كان شرعا لمن قبلنا، كما نص الله عليه بقوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [ المائدة : آية ٤٥ ]. ثم إن الله بين في كتابنا أنه شرع لنا، حيث قال : كتب عليكم القصاص في القتلى [ البقرة : آية ١٧٨ ] وقال : ولكم في القصاص حياة [ البقرة : آية ١٧٩ ] وقال : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [ الإسراء : آية ٣٣ ] – فمثل هذا الطرف هو شرع لنا بإجماع.
الطرف الثاني : يكون شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إجماعا، وهذا الطرف له صورتان :
إحداهما : ألا يثبت بشرعنا أصلا، بأن لا يوجد دليل من كتاب ولا سنة على أنه كان شرعا لمن قبلنا، وإنما تلقي عن الإسرائيليات. فهذا لا يكون شرعا لنا بالإجماع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن تصديق الإسرائيليات وتكذيبها ما لم يقم دليل على صدقها أو كذبها. وما نهينا عن تصديقه لا يمكن أن يكون شرعا لنا.
الثاني من هذا الطرف : وهو ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، إلا أنه نص لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا. ومثال هذا كالآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، فإن الله بين لنا في كتابه أنه رفعها عنا، كما قال تعالى : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : آية ١٥٧ ] ومن هذه الآصار : ما جاء في سورة البقرة من أن عبدة العجل لما أرادوا أن يتوبوا إلى الله لم يقبل الله توبتهم حتى قدموا أنفسهم للقتل، كما تقدم في قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم [ البقرة : آية ٥٤ ]، لأن الله وضعها عنا بنص قوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : آية ١٥٧ ] والإصر في اللغة : الأثقال. والمراد به : الأثقال الشاقة في التكاليف. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : آية ٢٨٦ ]. أن الله قال : " نعم ". في رواية أبي هريرة : قال الله : " نعم ". وفي رواية ابن عباس : قال الله : " قد فعلت ". وهو حديث صحيح، يصرح بأن الله وضع عنا الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا.
بقيت واسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما تبث بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لنا، ولا غير شرع لنا. هذا محل الخلاف، وجمهور العلماء وهو المشهور عن الأئمة الثلاثة، مالك وأحمد وأبي حنيفة – أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا يكون شرعا لنا، إلا لدليل يدل على أنه منسوخ عنا. وعن الشافعي في أصح الروايات في أصوله : أنه لا يكون شرعا لنا إلا بدليل منفصل. واحتج الشافعي بقوله تعالى في الأنبياء والرسل لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [ المائدة : آية ٤٨ ] قال : لكل نبي شرعة مستقلة، ومنهاج مستقل.
واستدل الجمهور على أن شرع من قبلنا – إن ثبت بشرعنا – شرع لنا بأدلة كثيرة، من آيات كثيرة :
قالوا : الله ( جل وعلا ) لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا وهو قدوتنا : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : آية ٩٠ ] وأمر القدوة أمر لأتباعه. قالوا : والله ( جل وعلا ) بين أنه ما قص علينا قصصهم إلا لنعتبر بها، فنتباعد عن موجب الهلاك، ونتسارع إلى موجب النجاة، كما قال : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [ يوسف : آية ١١١ ] فصرح بأنه يقص قصصهم للاعتبار بما تضمنته قصصهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، قال في قوم لوط : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [ الصافات : الآيتان ١٣٧، ١٣٨ ] وبخ من لم يعقل عن الله وقائعه في الأمم الماضية ليعتبر بها، وفائدة ذلك العمل، وهو أن يكف عن أسباب الهلاك الذي هلك بها الهالكون، ويسارع إلى أسباب النجاة. وقال جل وعلا : شرع لكم من الدين وما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى [ الشورى : آية ١٣ ] وقال في التوراة : يحكم بها النبيون الذين أسلموا [ المائدة : آية ٤٤ ] والموجود من النبيين عند نزول الآية : محمد صلى الله عليه وسلم وحده.
***
***
وكان الإمام الشافعي ( رحمه الله ) يقول : فبهداهم اقتده [ الأنعام : آية ٩٠ ] المراد بالهدى هنا في قوله : فبهداهم والمراد بالدين في قوله : شرع لكم من الدين خصوص العقائد والأصول، لا الفروع العملية ؛ لأن الله قال في الفروع العملية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [ المائدة : آية ٤٨ ].
ونحن نقول : إن هذا الذي يذكر عن الإمام الشافعي ( رحمه الله )، وإن كان هو هو في الجلالة، إلا أن هذا الكلام غير مستقيم ؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد في تفسير سورة ( ص ) أنه سأل ابن عباس : أفي ( ص ) سجدة ؟ يعني : ومن أين أخذت السجدة في ( ص ) ؟ فقال له ابن عباس : أوما تقرأ : ومن ذريته داود ثم قال أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا حديث ثابت في صحيح البخاري عن ابن عباس، صرح فيه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بداود في سجدة تلاوة، وسجود التلاوة فرع من الفروع كما هو معلوم، لا أصل من الأصول. وكذلك كان الإمام الشافعي ( رحمه الله ) يقول : فبهداهم اقتده هذا الأمر الخالص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشمل الأمة. هذا الصحيح في مذهب الشافعي. قال : الأوامر الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا تشمل أحكامها الأمة إلا بدليل منفصل. قال : لأن اللفظ الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم لم يشمل الأمة بحسب الوضع ومقتضى الصيغة، وإدخالنا في كتاب الله شيئا لم يتناوله اللفظ لا يجوز إلا بدليل منفصل. وقد بينا فيما مضى أن جماهير العلماء على أن الخطابات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أنها تشمل أحكامها الأمة، وإن كان اللفظ لا يتناول الأمة لأدلة خارجية عن مادة اللفظ، منها : أنه هو القدوة المشرع ( صلوات الله وسلامه عليه )، وأمر القدوة أمر لأتباعه، والله يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ الأحزاب : آية ٢١ ] أي : اقتداء كريم. وذلك الاقتداء في أفعاله وأقواله وتقريراته صلى الله عليه وسلم. والله جل وعلا يقول : من يطع الرسول فقد أطاع الله [ النساء : آية ٨٠ ] إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ آل عمران : آية ٣١ ] واتباعه يقتضي في كل شيء مما أمر به، ولو بأوامر خاصة. وثبت عن عائشة ( رضي الله عنها ) أنها ردت على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق لها : بأن النبي صلى الله عليه وسلم خير أزواجه فاخترنه، فلم يعد ذلك طلاقا. مع أن الصيغة خاصة به صلى الله عليه وسلم في قوله يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآيتين [ الأحزاب : الآيتان ٢٨، ٢٩ ]. وقد بينا مرارا أن القرآن دل باستقرائه أن الله يخاطب نبينا بصيغة خاصة به صلى الله عليه وسلم، ثم يبين لنا أن مراده بالصيغة الخاصة أن يشمل حكمها الأسود والأحمر. هذا كثير في القرآن، يورد الله الخطاب خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يبين أن مراده عموم حكم ذلك الخطاب الخاص، كقوله في صدر سورة الطلاق بخطاب خاص به صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي ثم قال : إذا طلقتم النساء بصيغة الجمع الشاملة للأسود والأحمر، فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم [ الطلاق : آية ١ ] فلو لم يكن قوله : يا أيها النبي يقصد منه شمول الحكم لجميع الأمة لأفرد الخطابات بعده، ولقال :( إذا طلقت النساء فطلقهن لعدتهن وأحص ) ( واتق الله ) ( لا تخرج ) فلما جاء بها مجموعة تبين أنه أراد إدخال الأمة تحت خطاب : يا أيها النبي . ونظير هذا أيضا في سورة التحريم، في قوله بخاطب خاص به صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي لم تحرم [ التحريم : آية ١ ] ثم بين قصد شمول الخطاب للجميع حيث قال بعده : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ التحريم : آية ٢ ] بصيغة الجمع الشاملة الأسود والأحمر. ونظيره أيضا قوله في صدر سورة الأحزاب : يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إنا الله كان عليما حكيما واتبع [ الأحزاب : الآيتان ١، ٢ ]. كل هذه خطابات خاصة به صلى الله عليه وسلم، ثم قال : إن الله كان بما تعملون بصيغة الجمع الشاملة للجميع، فدل على أن المراد شمول الجميع ب يا أيها النبي ومن ظواهر هذا في القرآن قوله في سورة يونس : وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن . ثم قال بصيغة الجمع الشاملة للجميع : ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه [ يونس : آية ٦١ ] وقد بينا أن من أصرح الأدلة في هذا آيتي الأحزاب، وآية الروم. أما آيتا الأحزاب : فالأولى منهما قوله تعالى في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ( رضي الله عنها ) : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها فكاف الخطاب

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير