قال أهل المعاني: (هذه الآية تتضمن البيان عن أن الله تعالى سيحوط نبيه عليه السلام وينصر دينه بهؤلاء المؤمنين الذين أرصدهم للإيمان به حتى يستعلي على كل من عاداه وناوأه، ولا يضرّه كفر هؤلاء، وفيه تقريظ للمؤمنين وتقريع لهؤلاء الكافرين) (١).
٩٠ - قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ الآية، هذه الآية متصلة بالأولى على قول الحسن وقتادة والزجاج؛ لأنه في ذكر النبيين الذين تقدم ذكرهم إذ هم الموكلون بآيات الله، وعلى قول الباقين رجع إلى ذكر النبيين (٢)، وفي قوله هَدَى اللَّهُ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى؛ لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فائدة وتخصيص (٣).
وقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ، قال الكلبي: (فبشرائعهم وبسنتهم اعمل) (٤)، وذكرنا قول أبي إسحاق (٥) في هذا، ومعنى الاقتداء في (٦) اللغة: طلب موافقة الثاني للأول في فعله.
قال الليث: (القدو (٧) أصل البناء الذي [ينشعب] (٨) منه تصريف
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٦٦.
(٣) ذكره الرازي ١٣/ ٧٠ عن الواحدي.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٧٨، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٨١.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧٠.
(٦) انظر: "الجمهرة" ٢/ ٦٧٧، و"الصحاح" ٦/ ٢٤٥٩، و"مجمل اللغة" ٣/ ٧٤٦، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٦٦، و"اللسان" ٦/ ٣٥٥٦ (قدا).
(٧) القدو: بفح القاف، وسكون الدال وبعدها واو.
(٨) في (ش): (يتشعب).
الاقتداء ويقال: قِدوة (١) وقُدوة لما يُقتدى (٢) به) (٣)، اللحياني عن الكسائي (٤): (يقال: لي بك قُدْوة وقِدْوة وقِدَة) (٥).
واختلف القراء (٦) في الهاء من قوله: (اقتده)، فالأكثرون أثبتوها في الوصل والوقف ساكنة، والوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل؛ لأن هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت (٧) الهمزة في الصلة فكذلك ينبغي أن لا تثبت (٨) الهاء، إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا (٩)
(٢) في (ش): (ولما يقتدى به)، وهو تحريف.
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٨٩٣ (قدا).
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٨٩٣.
(٥) جاء في (ش): (يقال: لي بك قدوة وقدوة وقدوة)، وهو تحريف والصواب: قدوة، بكسر القاف وضمها، وقدة: بكسر القاف وفتح الدال بعدها هاء، كما ورد في المراجع السابقة.
(٦) قرأ حمزة والكسائي: (اقتد قل) بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن عامر: (اقتده قل) بكسر الدال ويشم الهاء الكسر في الوصل من غير بلوغ ياء، وروي عنه: (اقتدهي قل) بياء بعد الهاء في الوصل. وقرأ الباقون: (اقتده) بهاء ساكنة في الوصل والوقف. ولا خلاف بينهم أنه بهاء ساكنة في الوقف.
انظر: "السبعة" ص ٢٦٢، و"المبسوط" ص ١٧١، و"الغاية" ص ٢٤٥، و"التذكرة" ٢/ ٤٠٤، و"التيسير" ص ١٠٥.
(٧) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.
(٨) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.
(٩) نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" ١٣/ ٧١، وهذا القول فيه نظر؛ لأن القراءة سبعية مأخوذة بالرواية، وقد ذكر هذا القول عن الواحدي القاسمي في "تفسيره" ٦/ ٦١٩، وذكر عن الخفاجي أنه قال: (إن هذا مما لا ينبغي ذكره؛ لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليد للخط، فمن قاله فقد وهم) اهـ.
موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا.
والاختيار عند النحويين (١) الوقف على قوله (اقتده) لتمام الكلام هاهنا ولكون (٢) الهاء ثابتة للاستراحة؛ لأنك إن أدرجت بالهاء (٣) خالفت القياس المستمر في حذف حرف الاستراحة، وإن أسقطت الهاء في الإدراج خالفت خط المصحف، وأما حمزة والكسائي فإنهما يقفان بالهاء ويصلان بغير هاء.
قال أبو علي: (وقول حمزة والكسائي القياس، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش وإن كان الصواب والقياس ما قرأ) (٤).
وقرأ ابن عامر (اقتدِه) بكسر الدال وبشمِّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء، قال أبو بكر بن مجاهد (٥): (وهذا غلط لأن هذه الهاء هاء وقفٍ لا تعرب في حال من الأحوال وإنما تدخل لتتبين (٦) بها حركة ما قبلها) (٧).
(٢) في (أ)، (ش): (وليكون) والصواب: ولكون.
(٣) في (ش): (أدرجت، الهاء).
(٤) "الحجة" لأبي علي ٣/ ٣٥٢.
(٥) أبو بكر بن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، تقدمت ترجمته.
(٦) في (ش): (يدخل لتبيين). وانظر: "البغداديات" ص ١٥٢.
(٧) "السبعة" ص ٢٦٢، ونحوه قال النحاس في "إعرابه" ١/ ٥٦٤، وابن خالويه في "إعراب القراءات" ١/ ١٦٤، وفي "الحجة" لابن خالويه ص ١٤٥ قال: (وهذا قول ضعيف مردود؛ لأنها قراءة سبعية)، قال أبو حيان في "البحر" ٤/ ١٧٦: (تغليط ابن مجاهد غلط) اهـ، وانظر: "الدر المصون" ٥/ ٣٢.
قال أبو علي: (ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق (١) للوقف، وحَسُن إضمار المصدر لذكر الفعل الدال عليه كما أضمر في قوله تعالى: (ولا تحسبن (٢) الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم [آل عمران: ١٨٠] وعلى هذا قول الشاعر (٣):
| هذا سُرَاقَةُ لِلقُرْآنِ يَدْرُسُهُ | والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَها ذِئبُ |
(٢) قراءة المصحف بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بالتاء. انظر: "السبعة" ص ٢١٩، و"الحجة" لأبي علي ٣/ ١٠٠.
(٣) لم أقف على قائله، وهو في "الكتاب" ٣/ ٦٧، و"الأصول" ٢/ ١٩٣، و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ٩١، و"المقرب" ١/ ١١٥، و"رصف المباني" ص ٣٢٠، ٣٨٢، و"اللسان" ٤/ ١٩٩٩ (سرق)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٢، والرشا بضم الراء وكسرها جمع رشوة، وهو يصف مقرئًا بقبول الرشوة والحرص عليها كحرص الذئب على فريسته. والشاهد: يدرسه: حيث جاءت الهاء مفعولًا مطلقًا ترجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وهو مضمون الدرس، أي: يدرس الدرس. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي ٢/ ٥٨٧.
(٤) في (ش): (ينصب).
(٥) في (ش): (فيضمر).
(٦) "الحجة" ٢/ ٣٧٥، ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص ٢٦٠،=
وقوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا قال ابن عباس: (يريد: مالاً تعطونيه) (١)، وقال [الكلبي] (٢): (جعلًا على القرآن ولا رزقًا) (٣)، إِنْ هُوَ يعني: القرآن إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ قال ابن عباس: (يريد: موعظة للخلق أجمعين) (٤) فالقرآن هو المذكر بكل ما يحتاج إليه العباد في دينهم من حجة بيّنة وموعظة بليغة (٥). قال أهل المعاني: (قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله عز وجل وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد و قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا (٦). كما قالوا) (٧).
(١) لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٤/ ١٣٤٠ بسند ضعيف عنه قال: (يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عرض الدنيا) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٥٣.
(٢) لفظ: (الكلبي) ساقط من (أ).
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٢/ ٤٠.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٧٩، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٤٠ نحوه.
(٥) انظر: "تفسير الرازي" ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧، والقاسمي ٦/ ٦١٩.
(٦) جاء في (ش): تكرار قوله (اقتد وقيل لا أسألكم عليه أجرًا).
(٧) انظر: الرازي ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي